عبد الحسين شعبان .. في الأدب صوت الناس وفي الفكر السياسي عقل الدولة

أكرم توفيق

يُعدّ المفكّر وأستاذ القانون والفكر السياسي أ. د. عبد الحسين شعبان واحداً من أبرز الأسماء العراقية والعربية التي كرّست جزءاً مهماً من مشروعها الثقافي والفكري للاهتمام بالرموز الأدبية الكبرى وفي مقدّمتهم الشاعران الخالدان محمد مهدي الجواهري و مظفر النواب.
ولعلّ خصوصية هذا الاهتمام لا تأتي من موقع التوثيق فقط بل من زاوية قرائية تحليلية معمقة تُظهر قدرة شعبان على الجمع بين الحسّ النقدي والدراسة التاريخية والبعد الإنساني.
وقف شعبان أمام تجربة الجواهري بوصفها واحدة من أكثر التجارب الشعرية ثراءً على مستوى اللغة والموقف. لم يتعامل معه كشاعر كلاسيكي فحسب بل كـضمير وطني ظلّ يرافق تحولات العراق عبر عقود طويلة.
تعمّق في قراءته لشعر الجواهري عبر تتبّع جدلية السلطة والحرية في نصوصه وكيف استطاع أن يحافظ على صوته الأخلاقي رغم كل ما مرّ به من منعطفات سياسية.


وقدّم شعبان رؤية متوازنة بين شاعر يتقن صناعة البيان وشخصية عاصرت صراع الهويات وصعود الأنظمة وسقوطها.. ليمنحنا صورة مضيئة وعادلة بعيداً عن التقديس أو التشويه.

أما مظفر النواب، فقد اقترب منه شعبان بروح الباحث الذي يدرك حساسية التجربة وغناها لكنه أيضاً يعرف أن قراءة النواب تتطلب معرفة عميقة بسياقها السياسي والاجتماعي.
سلّط الضوء على النواب بوصفه شاعراً حمل وجع الناس وغضبهم وجعل من القصيدة منبراً للرفض والمواجهة.
تناول شعبان لغة النواب المتمرّدة وقدرته على صناعة خطاب استثنائي جمع بين الشعر والفعل الثوري وأبرز أثره في الوعي الجمعي العراقي والعربي.
ولم يلتفت فقط إلى الجانب الشعري بل إلى أثر المنفى والاضطهاد السياسي، وصدمة الواقع على تشكّل النصّ لديه.

لا يُعرف عبد الحسين شعبان من خلال اهتمامه بالأدب فحسب بل من خلال مشروع فكري واسع يلامس قضايا
السياسة والتحولات الديمقراطية.
والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.
و الفكر القانوني والدستوري.
و حوار الثقافات وفضاءات التسامح.
في كل هذه الحقول يمارس شعبان دور المفكّر الذي يقرأ الواقع ويحلّله دون انحياز ويتعامل مع المفاهيم عبر منهج علمي رصين يجمع بين التحليل التاريخي والمعرفة القانونية والرؤية الإنسانية.

يُدرك من يتابع أعمال شعبان أن اهتمامه بالجواهري والنواب لم يكن عملاً بحثياً عابراً، بل مشروعا لفهم العراق من خلال رموزه الثقافية والإضاءة على العلاقة المتشابكة بين الشعر والسياسة وبين الثقافة والهوية.
فهو يرى في الأدب صوت الناس وفي الفكر السياسي عقل الدولة وفي الربط بينهما صورة أوضح لكيفية تشكّل الوعي العراقي عبر الزمن.
ختاما إن قراءة أ. د. عبد الحسين شعبان للشاعرين الجواهري والنواب تمثل نموذجاً لالتقاء الفكر بالأدب والبحث بالتاريخ والإنصاف بالحقيقة.
وبقدر ما أضاء شعبان على تجربتهما الشعرية فقد قدم لنا في الوقت ذاته قراءة أعمق للعراق نفسه عراق الوجدان والتمرّد عراق التاريخ والقصيدة وعراق الإنسان الساعي دائماً إلى الحرية.
إنه اهتمام ليس توثيقياً فقط بل رسالة وعي ووفاء لرموز كبرى صنعت وجدان العراقيين وصاغت كثيراً من ملامح هويتهم الثقافية.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours