نمتار / بيروت / سوزان أبو حسن*

دائمًا ما كانت شخصية هاملت الشكسبيرية تثير في داخلي عاصفةً من الأسئلة الوجودية وزوبعة من القلق والارتباك، وبالأخص مونولوجه النفسي العميق الذي يأخذك برحلة داخلية إلى أحلك نقطة في النفس البشرية، وهو ما واجهتُهُ بالفعل عند حضوري مسرحية “الأمير المجنون” للكبير رفعت طربيه في الطابق الخامس من مبنى جريدة النهار، الصرح العريق الذي يأخذك إلى “مستقبل” التاريخ الثقافي في لبنان.
دقت الساعة الثامنة والنصف ومعها ثلاث خبطات من عصاة على الأرض تنبئك بالاستعداد وانطفأت الأضواء وأطلّ رفعت بقامته الممشوقة وصوته الجهوري علينا، حيث حملنا خلال ساعة من الزمن على أجنحة هاملت وكلمات شكسبير الخالدة، وأجبرنا على مواجهة ذاتنا الحقيقية بكلّ جمالها وقبحها.
كل مشهد من المشاهد التي لعبها طربيه له وقعه الخاص، وحرّك في الجمهور شتّى أنواع المشاعر المتضاربة، الخوف والحزن من جهة والتبسّم المتوجّس على مواقف كوميدية سوداء تحاكي الواقع بشكل مقلق من جهة أخرى، باعتماده على أداء واقعي صادق يبيّن مدى غوصه في مكنونات شخصية هاملت، وقد لعب بشكل كبير على التواصل المباشر مع الجمهور على طريقة بريخت والجدار الرابع، وساعده في ذلك البيئة المسرحية وشكل المسرح ووضعية المقاعد، حيث تفاعل الجمهور معه بشكل كبير.
جسّد طربيه شخصية هاملت بشكل ملفت على غرار إيان ماكيلين البريطاني (81 عامًا)، على الرغم من اختلاف العمر بينهما (طربيه – هاملت). وكان أداؤه التمثيلي بارعًا، خصوصًا حضوره الجسدي على المسرح، إذْ استطاع مِلأه بشكل فعّال. ولعلّ اتقانه للغة العربية واستخدامه تقنيات الصوت على نحو دقيق وامتلاكه نبرة واضحة ومخارج حروف مضبوطة، كان لها الدور الأبرز في الاستحواذ على الجمهور، كما أضافت الإضاءة والحركة المسرحية مسحة حداثية جمالية إلى المسرحية.
ولا نستطيع إلّا أن نسلّط الضوء على عبقرية جيرار أفيديسيان ولينا أبيض وفطنتهما في رؤيتهما واختصارهما للنص الشكسبيري الذي يعدّ أطول عمل مسرحي لشكسبير (خمسة فصول)، في فصل واحد مكثّف مونودرامي تراجيدي دون المساس بحبكته الدرامية المعقدة، لا بل يجبرانك على التركيز الكامل لتستطيع اللحاق بالاسترجاعات التي اعتمداها.
هاملت “الأمير المجنون” خير دليل على وجود جمهور لبناني مثقف توّاق إلى أعمال ثقافية وفنية راقية على الرغم من الأزمة الخانقة التي يعاني منها لبنان، وعلى حد تعبير طربيه: المسرح رسالة نبيلة، وهو مقياس حضارة أي شعب.
*كاتبة ومترجمة لبنانية


+ There are no comments
Add yours