هل انتهى عصر الجامعة ام تغير دورها ؟

نمتار / د.ياسين احمد خلف يحيى اوغلو *

تُطرح اليوم فكرة تتكرر بصيغ مختلفة، مفادها أن الجامعة فقدت ضرورتها، وأن المعرفة باتت متاحة لكل إنسان عبر شاشة صغيرة في يده. ويُستشهد أحيانًا بما يُنسب إلى إيلون ماسك، بأن المستقبل لم يعد بحاجة إلى التعليم الجامعي التقليدي، لأن كل المعلومات أصبحت متاحة للجميع.

لكن السؤال الأعمق ليس: هل المعلومات متاحة؟

بل: هل تكفي المعلومات لصناعة المعرفة؟

لا شك أن العالم تغيّر جذريًا فما كان يتطلب سنوات من البحث في المكتبات، أصبح اليوم في متناول لحظات عبر الإنترنت. لقد انتقل الإنسان من “ندرة المعرفة” إلى “فيض المعرفة”، وهذه نقطة تحول تاريخية لا يمكن إنكارها.

لكن المعرفة ليست تراكم معلومات، بل هي طريقة تفكير، ومنهج، وبناء عقل انسان قادر على التمييز بين الصحيح والزائف، وبين المهم والهامشي.وحل المشكلات التي تواجهه في الحياة ،فالجامعة اهدافها :المعرفة والمهارة والسلوك (القيم )ضمن خطة مبرمجة ،وعلى الطالب ان يحقق هذه الاهداف ،من اجل ان يكون قادرا على مواجهة مشكلات الحياة ،هنا تحديدًا يظهر دور الجامعة، لا كخزان معلومات، بل كفضاء لتشكيل العقل.وتنظيم عمليات التفكير وحل المشكلات ،فالجامعة ليست مجرد مقررات، بل مسار تدريجي منظم، يعلّم الإنسان كيف يفكر قبل أن يعلّمه ماذا يفكر. وهي أيضًا بيئة نقد، وحوار، وتجربة، وتدرّب على أدوات العلم والمنهج.والحصول على شهادة تؤهله الخوض في معترك الحياة .

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن التعليم التقليدي يعاني اليوم من تحديات حقيقية: بطء التحديث، الكلفة العالية، والفجوة أحيانًا بين ما يُدرّس وما يحتاجه الواقع العملي. وهنا جاء الإنترنت ليكسر الاحتكار القديم للمعرفة، ويمنح الفرد قدرة غير مسبوقة على التعلم الذاتي.والذي كان الهدف الرئيسي للبعض ،لكن بين الطرفين، لا يبدو أن أحدهما يلغي الآخر.

فالجامعة بلا وعي ذاتي حديث قد تتحول إلى مؤسسة جامدة، والتعلم الذاتي بلا منهج قد يتحول إلى معرفة مشتتة بلا عمق، لذلك، ربما ليست المسألة “نهاية الجامعة”، بل إعادة تعريف دورها.

جامعة تتكامل مع العالم الرقمي، وتمنح الطالب أدوات التفكير، بينما يفتح الإنترنت أمامه أبواب التوسع والاختيار.

في النهاية، ليست القضية من يملك المعرفة، بل من يعرف كيف يبني منها عقلًا حيًا.انسانا قادرا على العطاء .

‎المعلومة اليوم فعلًا أصبحت متاحة بشكل غير مسبوق. أي شخص يستطيع أن يتعلم البرمجة، الفيزياء، الفلسفة، أو التصميم من الإنترنت. وهذا غيّر المعادلة جذريًا: لم تعد الجامعة هي المصدر الوحيد للمعرفة.

لكن بين وفرة المعلومات وسهولة الوصول إليها، يختلط الأمر على البعض، فيظن أن امتلاك المعلومات يعني امتلاك المعرفة. غير أن المعرفة أعمق من ذلك بكثير؛ فهي ليست تجميعًا للمعطيات، بل قدرة على الفهم والتحليل وبناء المعنى. وكما يُقال: من يظن أنه يعرف كل شيء، فهو لا يعرف شيئًا، لكن بالمقابل، ان كلام ايلو ماسك يلامس حقيقة مهمة:

التعليم التقليدي لم يعد كافيًا وحده، وأصبح:بطيئًا أحيانًا- مكلفًا جدًا في بعض الدول- أقل مرونة من التعلم الذاتي ،لذلك الواقع الأقرب للحقيقة هو:

الجامعة لم تنتهِ، لكنها لم تعد “الطريق الوحيد.”

والأفضل اليوم هو المزج بين الاثنين: جامعة + تعلم ذاتي من الإنترنت .

“لهذا فإن مستقبل التعليم قد لا يكون في إلغاء الجامعة ولا في الاكتفاء بالتعلم الذاتي، بل في بناء شراكة جديدة بينهما .

*اكاديمي عراقي مغترب

    لاس ڤيگاس

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours