في مصر سقط النخنوخ… وبقي السؤال العراقي

نمتار / مهند محمود شوقي

سقوط صبري نخنوخ في مصر لم يمرّ كخبر أمني عادي. كان هناك إحساس بأن الدولة قررت أن تؤكد أن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها، مهما طال الزمن أو كبر النفوذ. نخنوخ  الذي ارتبط اسمه بالبلطجة والنفوذ والظل الطويل للعلاقات، لم يكن مهماً بحد ذاته بقدر ما كان رمزاً لفكرة كانت تتمدد: أن هناك من يعيش خارج المساءلة، أو فوقها بقليل. لكن لحظة سقوطه كسرت هذا الإحساس، أو على الأقل هزّته.

وتعيد القضية إلى الأذهان فصولاً سابقة من مسيرة الرجل، إذ سبق أن أُلقي القبض عليه عام 2012 قبل أن يُفرج عنه عام 2018، ليجد نفسه اليوم مجدداً في مواجهة العدالة. وبغض النظر عن طبيعة الاتهامات أو مآلاتها القانونية، فإن عودة اسم ارتبط لسنوات بالنفوذ والجدل إلى واجهة المشهد تطرح سؤالاً أعمق من شخصه: هل تستطيع الدولة أن تفرض هيبتها على الجميع دون استثناء؟ فالقضية لا تتعلق بفرد بقدر ما تتعلق بفكرة أساسية، وهي أن القانون يفقد معناه عندما يعتقد بعض الأشخاص أن نفوذهم كفيل بحمايتهم من المساءلة، ويستعيد قوته عندما يثبت أن لا أحد أكبر من الدولة.

وأنا أقرأ المشهد، لا يمكن أن أتجاهل العراق..

في العراق، لا يوجد “نخنوخ” واحد. هذه هي الحقيقة البسيطة والمؤلمة في الوقت نفسه. هناك كثيرون، بأسماء مختلفة، وبأشكال مختلفة أيضاً. بعضهم داخل السياسة، وبعضهم خارجها لكنه قريب جداً منها، وبعضهم يقف في المنطقة الرمادية بين الاثنين.

المشكلة ليست في وجود النفوذ فقط. النفوذ موجود في كل مكان تقريباً. المشكلة أن هذا النفوذ لم يعد يخاف الدولة. أو لنقل بدقة أكثر: وجد طرقاً ليكون جزءاً منها

أحياناً يكون الحزب هو الحماية. وأحياناً المسؤول. وأحياناً النائب الذي يتدخل في الوقت المناسب. وأحياناً وزير يعرف كيف “يمشي الأمور”. لا شيء يحدث بشكل مباشر، لكن النتيجة واحدة: الفساد لا يُترك وحيداً أبداً

الأمر لا يتوقف هنا..

هناك طبقة كاملة نشأت حول هذه المنظومة. إعلاميون، محللون، وجوه تظهر على الشاشات كل يوم. ليسوا جميعاً بالطبع، لكن جزءاً منهم تحول إلى شيء آخر. لم يعودوا يسألون كثيراً، أو يسألون ضمن حدود لا تزعج أحداً. وفي أحيان كثيرة يصبح الدفاع عن الفاسد جزءاً من المشهد، وكأنه رأي سياسي عادي.

المشهد يصبح غريباً إذا نظرت إليه من الخارج. فاسد محمي، ومسؤول يتجنب الاصطدام، وإعلام يخفف الصدمة، ورأي عام يتعب مع الوقت ويعتاد.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية..

ليس لأن الدولة لا تملك قوانين، بل لأن القانون يصبح انتقائياً. يقترب من البعض ويتوقف عند البعض الآخر. وهذه اللحظة هي الأخطر في أي دولة، عندما يبدأ المواطن بالشعور أن العدالة ليست واحدة للجميع.

في العراق، لا تحتاج إلى كثير من البحث لتعرف أن الفساد ليس على الهامش. إنه قريب جداً من المركز. أحياناً داخل القرار نفسه، أو ملاصق له. لذلك يبدو الحديث عن مكافحة الفساد في كثير من الأحيان أقرب إلى شعار متكرر منه إلى مشروع حقيقي.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كل شيء بصورة قاتمة. لأن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يفسد؟ بل: من يحمي؟ ومن يسمح؟ ومن يصمت في اللحظة التي يجب أن تُقال فيها كلمة “لا”؟

في مصر، كانت لحظة النخنوخ رسالة بأن الدولة تستطيع أن تتذكر قوتها متى ما أرادت. أما في العراق، فالقصة أعقد من سقوط اسم أو اعتقال شخص. هناك شبكة كاملة تشابكت فيها السياسة بالمال والنفوذ والإعلام، حتى أصبح فصلها مهمة شاقة

لكن رغم كل ذلك، يبقى السؤال نفسه يضغط بإلحاح:

هل تستطيع الدولة أن تعود إلى مكانها الطبيعي؟ فوق الجميع… لا معهم ولا بينهم

لأن الفرق في النهاية ليس بين نخنوخ هنا أو هناك، بل بين دولة تقرر أن ترى، ودولة تتعلم كيف تتجاهل.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours