آخر معارك الجنرال

بحبر/ رئيس التحرير

شاء وتلقيت دعوة حضور من لدن القائمين على إقامة حفل الاحتفاء بصدور وتوقيع رواية الكاتب الكوردي السوري الصديق “جان دوست”، الحاملة لعنوان “آخر معارك الجنرال”، الصادرة حديثاً عن دار النهار للنشر في بيروت، عبر مهابة جمع الحضور النوعي البهي الذي زهت وغصّت به قاعة الشبيبي في مبنى البرلمان العراقي صباح ثلاثاء الرابع عشر من تشرين الأول الجاري.

 

الرواية، بخوالص محتويات فصولها الأربعة التي أطلق عليها الراوي تسمية “الكتب”، توزعت عناوينها على:

الكتاب الأول “شجرة البلوط الهرمة”،

والثاني “گنج خليل”،

والثالث “ملحمة الـ500”،

فيما الكتاب الرابع والأخير اكتفى بعنوان “المعركة الأخيرة”.

امتدت الرواية على مدى 284 صفحة من القطع المتوسط، لتتناول بمهارة حسّ وحدس سردي متماثل بحنكة خبرة ووعي رصين، برع في رصد وقائع وذكريات ومكابدات الأشهر الأخيرة من حياة الزعيم الكوردي الملا مصطفى البارزاني، بفحواه الرمز الأسمى الذي ترك بالغ العمق والأثر خلال القرن العشرين في حياة ومسيرة نضال الشعب الكوردي، عبر مسارب ومثابات دواعي سعيه الدائب والحثيث أملاً وظفراً بحياة حرة وكريمة تسمو وتزهو وتليق بعراقة وعمق تأريخ هذا الشعب الحالم بالحرية.

 

تشهق رواية جان دوست بأنفاس وأنساق أدق تفاصيلها إبان خوض الجنرال لآخر معاركه، متمثلة بجلادة صبره وقوة بصيرته الثاقبة في مواجهة صعبة وطويلة ومريرة مع السرطان، طوال السنوات التي داهمه بها هذا المرض اللعين وأودى به – بحسب مجريات الواقع والظروف الصحية – إلى غرفة صغيرة في مستشفى جورج تاون الأمريكية لتلقي العلاج، بمرافقة حفيده فرهاد وصحبة مترجمه محمد سعيد دوسكي.

حيث كان الجنرال يلوذ ويحتمي مستعيناً بطرواة ونبوغ ذاكرته في إعادة شريط ما اختزنته من قوة وتنوع أحداث وظروف ومكابدات سعت للوصول به صوب السنة السادسة والسبعين من عمره الإنساني والنضالي، الذي لا يُمحى من ذاكرة شعبه ورفاق مسيرته، بل من ذاكرة الحركات التحررية في العالم، حتى ساعة إعلان إذاعة الـBBC نبأ وفاته جمعة اليوم الثاني من آذار عام 1979.

ربما سيكون من الصعب الإلمام بما فاضت به الرواية عبر تناول مجمل ما مرّت به الحركة الكوردية في فترات وحقب السنوات القاسية والصعبة، بتداخل مجريات أحداثها وملابسات هول ظروف ما عانت وتحملت وصبرت وقاومت عبر صفحات نضالها البطولي والأسطوري.

وإن كانت الرواية قد برعت ونجحت في توثيق وتعميق مساراتها على نحو سردي إبداعي عال المستوى، وسعة الإتقان وحقيقة الإقناع والصراحة الراسخة في بنيان تفكير وضمير العقل الكوردي الموسوم بالصدق والوفاء النادرين على مرّ الأزمنة والدهور.

يقول الروائي العالمي الكبير ميلان كونديرا:

“إذا أردت أن تقول شيئاً كبيراً وعظيماً، فقله في رواية.”

ولعلّ هذا ما حدث في عمل جان دوست الذي أنا بصدده، والذي أرى فيه نسقاً ونهجاً سردياً سينمائياً فريداً، إذا ما تم التفكير بتحويله إلى فيلم يبرع في تبنّيه والحث على أحداثه الدرامية كاتبُ سيناريو حاذق ولبيب، مع توافر براعة مخرج برؤية أفق محترف يروم بلورة أحداث ووقائع ما تناولته الرواية، بما يجعل منها فيلماً عالمياً سيبقى خالداً راسخاً في خزائن الذاكرة والتأريخ، على أغلب ظني ويقيني.

ح.ع. الحميد

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours