الاعتراف كخلاص جمالي: قراءة في لوحة الرأس المعلّق للفنان علاء بشير

 أمل الجبوري

 

في ندوة افتراضية أقيمت مساء اليوم عبر تطبيق «زووم»، توقّف المشاركون عند التجربة الفريدة للفنان العراقي علاء بشير، الطبيب الذي حوّل مشرط الجراحة إلى ريشةٍ ترسم الإنسان في لحظة انكشافه الأعمق. أعماله ليست لوحاتٍ فحسب، بل مساحات للتأمل في علاقة الجسد بالروح، والعذاب بالمعنى، والضمير بالجمال.

كانت اللوحة التي تتدلّى فيها رأسٌ بشرية وسط غرفةٍ قاتمة محور النقاش، إذ بدت وكأنها تمسك المشاهد من عينه لتجرّه إلى أعماق ذاته. بين جدران مائلة إلى الصدأ، تتدلّى الرأس بخيطٍ هشّ، وفي الزاوية طائرٌ كأنه الشاهد الوحيد على مشهدٍ يراوح بين الحلم والكابوس. هذه الصورة ليست مجرد مشهدٍ سريالي، بل تجربة بصرية تختبر وعينا الأخلاقي وتضعنا أمام سؤال الوجود: ماذا يعني أن نواجه ذواتنا حين نصبح غرباء عن شجاعتنا؟

يقول علاء بشير في حديثه عن هذه اللوحة إنّ العمل الفني أبلغ أثراً من الكلمة المكتوبة، لأنه يخاطب مناطق الوعي الخفيّة في الإنسان، ويحرّك ما تراكم من صدأٍ على مرآة الضمير. ويستعيد بشير حادثة وقعت أثناء الحرب العراقية – الإيرانية (1988–1989)، حين كان يجري عمليات جراحية لمقاتلين وضباطٍ جرحى، تجاوز عددهم العشرين ألفاً.

يروي أنّ أحدهم، وكان من قوات النخبة، دخل عليه يوماً في عيادته وقال له:

«دكتور، أريد أن أعترف لك بشيءٍ يثقل صدري. لقد منحتُ وسام الشجاعة، لكنني لا أستحقّه.»

ثم أخرج رسالةً كتبها بخطّه وأردف قائلاً إنّ سبب اعترافه المفاجئ هو تلك اللوحة — لوحة الرأس المعلّق — التي رآها منشورة في مجلة فنية. لم يستطع نسيانها، كانت تلاحقه كضميرٍ بصريّ لا يهدأ. قال إنه خلال إحدى المعارك العنيفة أطلق النار على ساقه عمداً ليتظاهر بالإصابة، فحُمل على أنه بطل ونال وسام الشجاعة زوراً.

وأضاف للجراح الفنان:

«كلما أغمضت عيني رأيت هذا الرأس ينظر إليّ. يطالبني أن أقول الحقيقة.»

حينها أجابه بشير قائلاً:

«أنت أشجع من كثيرين، لأنك تجرأت على الاعتراف. لوحتي لم تكن سوى المرآة التي أعادت إليك نفسك، فهي ليست مرسومة بالريشة فقط، بل بالصدق الذي يسكن أعماق الإنسان.»

من هنا تتحوّل اللوحة إلى وثيقة ضمير، لا تُقرأ بعيون الجمال فحسب، بل بعيون الحقيقة. فالرأس المعلّق ليس رمزاً للموت، بل للوعي المعلّق بين الخوف والاعتراف، بين البطولة الزائفة والصدق العاري. في تلك المسافة التي تفصل بين الظل والنور، يضعنا علاء بشير أمام لحظةٍ نادرة من المواجهة مع الذات، حيث يتجلى الفنّ كقوة تطهيرٍ أخلاقية تُعيد تعريف الشجاعة لا بوصفها مواجهة العدو، بل مواجهة النفس.

في فلسفة بشير، الفنّ ليس زخرفةً للعين، بل عملية جراحية للروح، يفتح فيها الفنان جرح الإنسان ليعيد له وعيه. فكما يداوي الجسد بالمشرط، يعالج الفنان الوعي باللوحة. ومن هذا المنظور، تصبح اللوحة أداة اعتراف، بل طقساً للتحرر، يُعيد إلى الإنسان توازنه المفقود بين الذنب والغفران، بين الذاكرة والنجاة.

علاء بشير ومدرسة الرمزية التعبيرية العراقية

يقف علاء بشير في قلب المشهد التشكيلي العراقي المعاصر إلى جانب أعلامٍ كبار مثل جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، غير أنه يشقّ طريقه الخاص في تخومٍ تزاوج بين العلم والفن، بين الجراحة كفعل مادي والفن كفعل ميتافيزيقي.
فمدرسة بشير ليست رمزيةً بالمعنى الجمالي وحده، بل ميتافيزيقا للوجع الإنساني، تُحوّل الجسد إلى نصّ بصريّ، والجرح إلى استعارةٍ للضمير، والعين إلى مرآةٍ تفضح وتطهّر في آنٍ واحد.

أعماله لا تُصوّر الحرب كحدث، بل كجحيمٍ داخليّ. إنها تسائل الخراب أكثر مما توثّقه، وتحوّل الألم إلى معرفةٍ تذكّرنا بأن الحياة لا تُقاس بطولها بل بعمق لحظاتها الوجدانية. من هنا تتبدّى لوحة الرأس المعلّق كرمزٍ لما يسميه بشير «الضمير المستيقظ للفن»، ذلك الضمير الذي يُحدث في المتلقي صدمةً تُعيده إلى إنسانيته، تماماً كما أعادت تلك اللوحة المقاتل إلى اعترافه.

هكذا يتجلى الفنّ عند علاء بشير لا كترفٍ جماليّ بل كضرورةٍ وجودية، وكعلاجٍ للروح من أمراضها الخفيّة. فالفن عنده لا يجمّل العالم بل يطهّره، ولا يهرب من المأساة بل يدخلها ليعيد تعريفها. ولهذا تبقى لوحاته علاماتٍ مضيئة في تاريخ الفنّ العراقي والعربي الحديث، حيث يتحوّل الجمال إلى أداةٍ للحقّ، وتغدو اللوحة اعترافاً بصريّاً يهب الإنسان فرصة الخلاص .

———
كاتبة وشاعرة عراقية

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours