دور الإعلام الأمريكي

د. وسام مهدي كاظم الزبيدي

 

الأسس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإيديولوجية التي تحيط بفلسفة الإعلام الأمريكي

الإعلام هو نتاج لمجموعة من الركائز الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإيديولوجية التي تحكم نطاقه ونظام دولته، لأن جميع ذلك يطبع مفهوم الإعلام وفلسفته وتطبيقاته وجوانبه العملية بطابعٍ وشكلٍ معين.

فالمجتمع الأمريكي، منذ الأيام الأولى لتأسيس النظام السياسي الجمهوري للولايات المتحدة الأمريكية، هو مجتمع برجوازي تسوده التقاليد الرأسمالية، وتتناسب هذه التقاليد مع تغيرات الأحوال السياسية والاقتصادية.

ويلتزم الأمريكيون عمومًا التزامًا قويًا بمفهوم الملكية الخاصة والأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي تنبثق منه وتُجسّده. يؤثر هذا الالتزام في السياسة الخارجية الأمريكية تأثيرًا يتضح في مواقف شتى، كموقف الكونغرس السلبي من الحكومات الأجنبية التي تؤمّم المنشآت التي يمتلكها الأمريكيون أو يشتركون في ملكيتها، أو اتجاه القيود الداخلية على الاقتصاد التي قد تُمليها الاعتبارات الخارجية.

ويحرص المجتمع الأمريكي على ضمان وحماية حقوق ومصالح الأفراد والجماعات والشركات والنقابات وسائر المؤسسات الحكومية من عبث الدولة أو عبث البعض بحقوق ومصالح بعضهم الآخر. وهذا الحرص على ضمان المصلحة هو الذي حمل الأفراد والجماعات على اتخاذ وسائل وطرائق من شأنها صيانة مصالحهم، وقد أدّت هذه التدابير إلى ظهور كتلٍ ذات نفوذ، كما تُعرف في الولايات المتحدة الأمريكية، تدافع عن المصالح الفردية أو الجماعية وتعد القوة الحقيقية الخفية التي تسيّر شؤون الدولة الأمريكية — ومن ضمنها الإعلام الأمريكي — وهي التي تُقرّر في الواقع رسم السياسة الخارجية والداخلية وتشريع القوانين وإعداد الخطط وحتى إقرار أحوال الحرب والسلم.

من هنا نستطيع أن نفهم الأسس التي قام عليها الإعلام الأمريكي وفلسفته، والتي هي انعكاس لفلسفة المجتمع نفسه، وهو مجتمع تجاري رأسمالي يسعى لحماية مصالحه، حيث تعتبر مصالحه في المرتبة الأولى قبل أي اعتبارات أخرى، على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فالنظام الاقتصادي الأمريكي، ومن ورائه النظام السياسي والاجتماعي، تتأثر جميعها وبشكلٍ كبير وترتبط بمفهوم الدعاية في الوسط الأمريكي، وتسود الروح التجارية والرأسمالية بقوة التأثير الشخصي والتأثير في الآخرين إلى الحد الذي يكاد يمحو عنصر الفردية.

كما أن هذا النظام الرأسمالي يؤكد اتجاه الأمريكيين — ليس إلى فهم الواقع لذاته أو بحث مدى أسبقية الفكر على الواقع — وإنما إلى فهم الواقع لاستغلاله والسيطرة عليه سعيًا وراء المنافع التي ستعود عليهم من ذلك.

الإعلام كأداة سياسية خارجية

إذا كان الإعلام هو بالأساس عملية اتصالٍ تتجه إلى القوى الأجنبية — أي إلى المجتمع الدولي — فإنها بذلك تصبح مقدمة لحركة سياسية أساسها الرغبة في الحصول على مصالح معينة. ومن ثم تصبح الوظيفة الاتصالية في تلك اللحظة أداة مساندة لتنفيذ السياسة الخارجية، إذ تسعى العملية إلى خلق علاقة المنفعة واصطناع أدوات الارتباط بالمصالح.

ولذلك نجد أن الصيغة الغالبة على الإعلام الدولي هي أنه يخضع بطريقة مباشرة للرقابة والضبط الحكومي بصفة عامة، أي أن عمليات الإعلام الخارجي تتم في نطاق التخطيط الحكومي وتحت رقابة أجهزة الدولة. حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، التي سمحت لبعض الهيئات الخاصة أو ما في حكمها أن تقوم ببعض المهام الإعلامية، فإن ذلك يتم دائمًا في نطاق التخطيط الحكومي وتحت رقابة أجهزة الدولة أيضًا.

المتغيران الأساسيان في فلسفة الإعلام الأمريكي الخارجي

هناك متغيران أساسيان يحددان الفلسفة الأمريكية على صعيد النشاط الإعلامي الخارجي بما يساير السياسة الخارجية الأمريكية، وهما:

تقديم الدولة (الولايات المتحدة الأمريكية) أمام الرأي العام الخارجي على أنها لا تمثل نشازًا، ولا تخرج عن القواعد المتداولة في السلوك الدولي، مع تأكيد السلوك السلمي والتواضع القيادي، وعرض التقاليد الداخلية على أنها نموذج للتقدم والديمقراطية.

خلق الهيئة الدولية، بمعنى ترسيخ القناعة في الإطار الدولي بأن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الاستقرار والتناسق في التعامل السياسي، الذي تكمن خلفه قيادة ديمقراطية ترفع من مستوى المعاهدات وتعبر عن خصائص رجل الدولة بمعناه الحقيقي.

وهذا يجعلنا نخلص إلى نتيجةٍ مفادها أن الأساس السياسي الذي قامت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، والفكر الليبرالي الموجود عند أفرادها، هما اللذان يحددان مرتكزات وتوجهات الإعلام الأمريكي. فالقائمون على هذا الإعلام هم أفراد أمريكيون يعكسون مبادئهم وأفكارهم وتوجهاتهم السياسية على العمل الإعلامي.

وهذا ما أكّد عليه نعوم تشومسكي في كتابه السيطرة على الإعلام، إذ يبيّن أن المثقفين والسياسيين الأمريكيين يُوجّهون الرأي العام بما يتوافق مع توجهات الإدارات الأمريكية.

الأسس المنهجية للإعلام الأمريكي

يعتمد الإعلام الأمريكي على أسسٍ منهجية واحدة في مخاطبة الجمهور، قائمة على اعتبار الرأي العام استهلاكيًا يخدم الخطط الرأسمالية، وقوةً اجتماعيةً محركةً للتاريخ تسهم في دفع دولاب النظام الرأسمالي. ويمكن إيجاز هذه الأسس بالآتي:

تُعد جميع الوسائل والأساليب الدعائية جيدة ومقبولة وصحيحة إذا ما أدت إلى التنفيذ الناجح للمهمة المطلوبة.

التوجه إلى المواطن وليس إلى العقول، عن طريق استغلال الانفعالات البشرية باستعمال المعارف السيكولوجية لاكتشاف النفسية الاجتماعية من الظواهر والأحداث، وإثارة الانفعالات الأكثر بدائية عند الجمهور بالاعتماد على المبدأ القائل “الاستغلال المصطنع للعواطف” باستخدام الأنماط المقبولة الوهمية.

التركيز على الثانوي في المظاهر وجعله رئيسيًا، وإهمال المسائل المهمة وجعلها ضعيفة الأهمية من مبدأ أساسي هو تحويل بؤرة الاهتمام.

استخدام التحليل المعنوي الدلالي لتغطية غياب الأفكار والمبادئ الجذابة للجماهير وإخفاء الحقيقة الموضوعية. وصار من أساليب الإعلام الأمريكي إعطاء الكلمات الاعتيادية معنى مختلفًا بالحذف والتحايل من أجل الحصول على معانٍ خاصة أو التخفيف من وقع الألفاظ على المتلقي.

الإعلام الأمريكي والسلطة السياسية

يتضح هنا أن وسائل الإعلام الأمريكي تتجه نحو تكييف الرأي العام وفق أهدافٍ ماديةٍ وسياسيةٍ للكتل التي أصبحت تدير دفة المجتمع الأمريكي بثقافته وسياسته ومحتواه الاجتماعي، من خلال ثقلها وما تملك من سلطة في المحيط الدولي، عبر الأداة السياسية، فضلًا عن أدوات أخرى كثيرة في مقدمتها النشاط الدبلوماسي والعمل العسكري.

وحتى تكتمل الصورة نحو الأسس التي يعمل عليها الإعلام الأمريكي، علينا أن نعرف أيضًا كيف يعمل هذا الإعلام. وينبغي الإقرار هنا بأن الإذاعة تُعد الذراع الطويل للعمل الإعلامي الخارجي لما تمتاز به من قدراتٍ دعائيةٍ هائلة، ولهذا تخضع الإذاعة والتلفزيون لإشراف الدولة، حتى في حالة كونها مشاريع خاصة، حيث توجد في الولايات المتحدة الأمريكية عمليًا محطات تلفزيون حكومية.

وتستخدم الإدارة الأمريكية الإذاعة الحكومية (صوت أمريكا) وإذاعات البنتاغون لأغراض الإعلام الخارجي. ومع هذا، فقد أُسندت إلى اللجنة الفيدرالية للعلاقات صلاحيات واسعة في مجال الإشراف على محطات الإذاعة والتلفزيون.

الإعلام والمخابرات والرقابة

تظهر العلاقة بين وسائل الإعلام الأمريكي والإدارة الأمريكية بشكلٍ واضح في الأداء الوظيفي، فمن أجل تسهيل عملية الأداء تندفع وسائل الإعلام للتعاون بشكلٍ وثيق مع البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، بحكم الخدمات التي يقدمها البنتاغون لأجهزة الإعلام، لاسيما الإذاعة والتلفزيون، التي تستفيد من خدمات المركز الإعلامي للجيش، الذي يجتذب أقارب العسكريين الأمريكيين إلى الشاشة الصغيرة والمذياع، مما يضيف جمهورًا يزيد من فرص الإعلانات التجارية.

أما وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) فلها جناحٌ خاص للدعاية يضم نحو 800 مؤسسة ومركز معلومات وأفراد. ويُقال إن جميع الرأسماليين الأمريكيين الذين عملوا في الشرق الأوسط أو إفريقيا يُعدّون وكلاء للمخابرات المركزية، كما أشار إلى ذلك مايلز كويلاند في رسالةٍ نشرها في صحيفة نيويورك تايمز في خريف عام 1977.

إن العلاقة بين الأوساط الإعلامية الأمريكية والسلطة السياسية أخذت بُعدًا آخر، هو بُعد الرقابة. فعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأسطورة الحرية التي تُردّد دائمًا، وتفيد بأن وسائل الإعلام الأمريكية بمنأى عن تدخل الإدارة وأجهزتها الأمنية، إلا أن الواقع يؤكد عكس ذلك.

فهذه الوسائل ليست بمعزلٍ عن محاولات الأجهزة الأمنية الأمريكية فرض التعتيم عليها عندما يتطلب الأمر ذلك، لا سيما وأن المؤسسات الإعلامية الأمريكية شهدت تحولًا جذريًا في أواخر القرن العشرين، إذ أصبحت بيروقراطياتٍ متحدة، يصنع ويدير الأخبار فيها صحفيون محترفون، مع الخضوع للضغوط السياسية من خارج المؤسسة.

وقد لجأت الإدارة الأمريكية إلى فرض الرقابة — رغم علمها بوجود الرقابة الذاتية التي تمارسها وسائل الإعلام — لكي تمنع أي انحرافٍ محتمل قد يعرقل السياسة الأمريكية، التي تعتمد على قدرٍ كبير من التضليل والتشويه لتبرير ما تذهب إليه وجعله مقبولًا من جانب الرأي العام المحلي والدولي.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours