باهرون .. حقاً باهرون

د. عبد الحسين شعبان

كنت قد تعرّفت على شابات وشبّان خلال زياراتي إلى كربلاء، ومن بينها دعوتهم لي لإلقاء محاضرة عن الشاعر الكبير الصديق مظفر النواب، بمناسبة صدور كتابي «مظفر النواب – رحلة البنفسج»، دار النهار، بيروت، 2023، وقد ذُهلت حقًا بمستوى الوعي المتقدّم الذي يتمتعون به وروح التفاني في العمل والإخلاص الوطني المنقطع النظير. وعلى الرغم من أحلامهم الكبيرة، لكننّي تلمّست مدى الواقعية في فهمهم للظواهر الاجتماعية والمتغيّرات السياسية والأطر الثقافية والدينية المعبّرة عن ذلك. كما أعجبت كثيرًا بذائقتهم الشعرية وإحساسهم الشاعري بقيمة الأدب والفن في تهذيب النفوس وتشذيب الأذواق.

 

طابق علوي

ما لفت انتباهي أن الشابات والشبان لا يعملون كخلية نحل مع بعضهم فقط، بل استقطبوا كبار السن من جيلي ومن الجيل الذي تلاه، وشعرت بذلك بالدعوة التي نظّموها في مقهى رضا علوان في الطابق العلوي، الذي حجزوه بالكامل، حيث ازدان بشخصيات كربلائية ثقافية وأدبية وفنية وحقوقية ووجوه اجتماعية وسياسية، واستغربت حين وجدت مجموعة من المكفوفين يحضرون الندوة ولا يكتفون بذلك، بل قاموا بالتعريف عن أنفسهم كجزء من فريق فني، بالإضافة إلى توجيههم الأسئلة وإصغائهم إلى المناقشات والحوارات التي امتدّت لأكثر من ساعتين، بل وطلبهم مني إلقاء بعض قصائد النواب بصوتي، وقسم منها مغنّاة كما هو معروف.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي التقيت فيها هؤلاء الشبان والشابات، فقد سبق ذلك بعدة سنوات أن ألقيت محاضرة في نادي نقابة المعلمين بكربلاء تحت عنوان: هل يوجد تيار ديمقراطي في العراق؟ وأردفته بسؤال إشكالي: هل انقطع نسل الليبرالية العراقية؟ وهو عنوان فرعي لكتابي «جذور التيار الديمقراطي»، دار بيسان، بيروت، 2007. وكانت ثمة أسئلة ساخنة حينها حول وجود أو عدم وجود تيار ديمقراطي، وما هي مواصفاته إن وجد؟ وهل التيار اليساري – الماركسي والشيوعي جزء منه أم يتمايز عنه في الأهداف والتوجهات؟ الجدير بالذكر أن التيار الديمقراطي – الليبرالي كان قد تعرّض إلى نكسة كبرى بعد ثورة 14 تموز / يوليو 1958، خصوصًا بهيمنة العسكر على الدولة، واستدارة نظام الحكم تدريجيًا نحو الديكتاتورية الفردية، وتقليص الهوامش الديمقراطية، وأجهز انقلاب 8 شباط / فبراير 1963 الدموي على بقايا التيار الديمقراطي، مطلقًا عليه رصاصة الرحمة. ومنذ ذلك التاريخ لم تقم له قائمة باستثناء بعض المذكرات التي رفعها بعض رموزه إلى السلطة في أواسط الستينيات. وقد جرت محاولات ممن كانوا يُحسبون عليه أو من خارجه لإعادة بنائه بعد الاحتلال الأمريكي العام 2003، لكن جميعها باءت بالفشل الذريع لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية.

ولا يقتصر الأمر على العراق وحده، بل إن هذه الظاهرة شهدتها البلدان العربية الأخرى، فقد ساهمت الانقلابات العسكرية في تقويض أركان التيار الديمقراطي، ولاسيّما بإضعاف الطبقة الوسطى، وهو ما حصل في مصر وسوريا وليبيا واليمن والجزائر والسودان وغيرها، خصوصًا ﺑ «عسكرة المجتمعات»، الأمر الذي حدّ من إمكانية نمو تيار ديمقراطي، بتقليص هوامش الحريّات وهيمنة التيارات الشمولية على الحكم. وإذا كان وجود إرهاصات ديمقراطية ورغبات لدى بعض الشخصيات نحو توجّه ديمقراطي، لكنّها لم تتبلور في قيام تيار مستقل ومؤثر، كما كان عليه مثلًا قبل ثورة 14 تموز / يوليو ممثلًا بالحزب الوطني الديمقراطي، إضافة إلى بعض الشخصيات الديمقراطية، التي كان لها دور في قيام جبهة الاتحاد الوطني العام 1957، بل أن من كتب ميثاقها هو أحد الشخصيات الديمقراطية البارزة ذات التوجّه الاشتراكي، وأعني به المفكّر إبراهيم كبّة.

استعيد اليوم مثل هذا الحوار الذي التأم قبل أكثر من عقد ونصف من الزمن، مع شباب «باهرون»، المتطلّعون إلى المعرفة وإلى الاستماع إلى تجارب من سبقهم ومناقشتهم على نجاحاتهم وإخفاقاتهم بما فيها أخطائهم كذلك، بروح منفتحة وأفق وطني ورغبة صادقة في بلورة رؤية جديدة لتيار وطني ديمقراطي خارج الاصطفافات التقليدية وبعيدًا عن دوائر العنف والطائفية والفساد.

ولعلّ مثل هذه الأسئلة والنقاشات والحوارات كانت قد واجهتني خلال زيارتي الأخيرة إلى كربلاء قبل بضعة أشهر، بُعيد إلقائي محاضرة بدعوة من كرسي اليونيسكو بشأن ذاكرة الضحايا في إطار منظوري للعدالة الانتقالية، وكان عددًا من شباب باهرون قد أصرّ على المجيء إلى الحلّة لحضور مهرجان بابل الثقافي العالمي، ولمشاهدة فيلم عُرض عن تجربتي الفكرية والثقافية والسياسية بعنوان «رجل لم يفقد بوصلته»، حيث أجرى الناقد الدكتور علي فوّاز، رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في العراق حوارًا معي بحضور ثقافي وأدبي لافت.

رغبة التعليم

في الختام أود أن أقول إنني تعلّمت كثيرًا من الشابات والشبان، أولًا حرصهم على الإصغاء وثانيًا الرغبة في التعلّم وثالثًا البحث المضني دون قبول المسلّمات أو الكليشيهات الجاهزة ورابعًا مقاربتهم النقدية للماضي والحاضر وخامسًا رؤيتهم للمستقبل من منظور روح العصر ومتغيّراته وسادسًا قدرتهم على التكيّف والتوازن والانسجام بما يطمحون إليه وهو بعيد وبين ما هو قائم، وهو منظور، أي بين ما يمكن أن يكون وما هو كائن.وكنت قد دردشت مع شباب باهرون حول شعار: «أطلب المستحيل لتحصل على الممكن»، وهو شعار لأحد المفكرين الماركسيين السلوفنيين يدعى سلافوي جيجك، وكان حينها شعار انتفاضة باريس العام 1968، كما أنه كان قريبًا من شعارات إضراباتنا الطلابية العام 1967 – 1968، التي بقدر ما كانت مطالبها واقعية ولكن سقفها كان عاليًا. وهو ما استذكرته مع المربي الكبير الصديق عبد الجبار العلي الذي يعود له الفضل في تنمية هذه الطاقات الشابة وتشجيعها على روح النقد والحوار والجدل طريقًا للمعرفة وبحثًا عن الحقيقة، خارج دوائر الأدلجة والانحيازات المسبقة وادّعاء الأفضليات.

——-

ضفّة أُخرى :

 

وجِّهَت رسالة شكر إلى المفكر العربي الدكتور عبد الحسين شعبان جاء فيها :

الأستاذ المفكر الجليل عبد الحسين شعبان المحترم،
تحية طيبة وبعد،
يتقدم إليكم مركز باهرون بجزيل الشكر والتقدير على كلماتكم النبيلة التي سطّرتموها بحقّنا في مقالتكم الأخيرة، وعلى ثقتكم التي أسبغتموها علينا بفيض مشاعركم الصادقة، وقراءتكم العميقة لنبضنا الشبابي وهمومنا المعرفية والوطنية.

لقد كنتم وما زلتم نبراس فكر وحكمة في زمن تتنازعه التشنجات والانغلاق، ووجودكم بيننا كان مصدر إلهام وتحفيز، وتجربتكم الغنية التي شاركتمونا إياها تمثّل بالنسبة لنا حافزًا للاستمرار على درب البحث، والحوار، والعمل الثقافي والاجتماعي الواعي.

نثمّن عالياً دعمكم، ونتطلع إلى المزيد من اللقاءات والنقاشات التي نستلهم منها ما يعيننا على مواصلة الطريق نحو بناء تيار وطني ديمقراطي إنساني، منفتح، مستقل، ومتجذّر في روح العصر واحتياجات شعبنا.

مع فائق المحبة والتقدير،
عن شباب وشابات باهرون
كربلاء – العراق

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours