ذكرى محمد نادر
في موجة الحداثة والتطور التقني التي تجتاح العالم يمكن لي تصوير المشهد حاليا وكأننا إزاء طوفان تسونامي لن يترك ضفة في حياتنا دون أن يُغرقها ويجتاحها ويعلو فوقها !
ويبدو جليا أن الانسان الذي قهر الطبيعة بذكائه وروض الوحوش بفطنته ليكون سيدها وقائدها, كأنه بدأ يتخلى اليوم عن سيادته ودوره القيادي لصالح آلة لتتفوق عليه بالذكاء رغم أنه هو خالقها وصانعها , وبأنه يتزحزح لها طوعا عن هيبة مكانته مقابل سعة ذاكرة الذكاء الاصطناعي المعرفية.. ولا أدري هنا إن كان ما تتخلى عنه اليوم طوعا ستُجبر لاحقا لدفعه عنك صاغرا فيما بعد , إن لم تنتبه لمخاطره !
هذا ما تركته في نفسي مكالمة هاتفية من صديق من الاجيال المخضرمة مثلي لا يتقن دهاليز العلوم التقنية , و ليس ضليعا في ابتكاراتها , عجت مكالمته بالشكوى والاحساس بالخيبة والعجز بسبب تعرضه لعملية تلفيق محكمة وذكية رُتبت له بالإستعانة بالذكاء الاصطناعي مستخدمة صوته كدليل لا يقبل الدحض ضده !
كان الرجل في غاية الحزن محاولا تبرأة اسمه مما علق به من تهم أقسم قسما غليظا أنه لا يمت لها بصلة وأنه بريء مما أشيع كذبا عنه.. وكانت عبارته الاخيرة قبل إنهاء المكالمة الهاتفية وكنت أطمئنه بأن من يعرفه سينكرها عنه, غير أنه بادرني بالقول : رهموها اخوات الشياطين بصوتي وبمساعدة الذكاء الاضطناعي.. حتى أني نفسي عندما سمعتها قلت لنفسي , اي والله هذا عبالك صوتي !!
ولا أدري مقدار صحة ما جاء في رواية سابقة , عن مصير فتاة عراقية في مقتبل العمر نُشرت عنها صور شخصية مسيئة صدقها أهلها حتى وهي في عقر دارهم ويعرفونها معرفة تامة غير أنهم صدقوا خدعة ما رأته عيونهم فدفعت الفتاة حياتها ثمنا لفرية رخيصة . هل يمكن تخيل موقف أهلها عندما إكتشفوا أن دماء ابنتهم على ايديهم مسفوحة بسبب كذبة !
وحتى هذه الحكاية قد يخالطها شك فنحن نعيش في عالم يسوده عدم اليقين , عالم ينتجه في الغالب خيال مصطنع .. وأحيانا خيال مريض !
من هو المسؤول هنا عن جريمة التلفيق : هل هو الذكاء الاصطناعي, أم من يوظفه لمآرب أخرى ؟
لا شك أن التطور التقني في كل المجالات له في إستخدامته وجهان , فما يمكن إستخدامه بالخير يمكنه أن يكون فتاكا عند إستخدامه لاغرض سيئة , فالسويدي الاشهر في العالم ـ الفريد برنارد نوبل ـ مخترع أصابع الديناميت لم يكن يرغب طبعا أن يُلقب بتاجر موت بإختراعه للمتفجرات , بل رغب بالحقيقة أو على الاقل كما إدعى بمساعدة عمال مناجم الفحم للوصول الى أعماق الارض بيسر أكبر قبل أن يُسخر إختراعه كآلة موت مدمرة راحت تستخدم ويتطور إستخدامها في الحروب لأيقاع عدد أكبر من الجنود والناس صرعى , لذلك حاول هو جاهدا التكفير عن ذنبه الفتاك الذي إخترعه بنفسه بتسخير كل أمواله لصالح جائزة حملت اسمه ,جائزة نوبل للسلام التي يفترض تقديمها سنويا للمبدعين ولصناع الحياة و السلام العالمي وخدمة الانسانية .
ما أريد الوصول اليه , أن الافساد والاستعمال الضار يمكنه الوصول لأي إبتكار جديد أو فكرة حديثة ويمكن توظيفها في غير ما نصبو اليه عند إفتقارها لسمو الهدف وعند توظيفها من قِبل ممن يفتقرون للذمة النظيفة والأخلاق.. فالفساد سيكون نصيب كل شيء إن لم يحتكم في تطبيقه لنبل الهدف وأخلاقياته السامية سواء كان ذلك في السلم أو في الحروب , في الابتكارات والاختراعات الطبية أو الفن والابداع, وكل مناحي الحياة فبدون قيم اخلاقية تؤطر العمل لا يمكن لاي حالة من الارتقاء ابعد من لحظة زهو أنتشارها الراهنة.
وفي عالمنا الحاضر اللاهث بنشاط خلف ما يوفره الذكاء الاصطناعي من دهشة وراحة لمستخدميه , فهو حتما تطور تصعب مجاراته وملاحقته ,وبالتأكيد أن هناك ظلالا أخرى ستصاحب هذا التطور, ظلال قد تكون خطرة إن تُركت الامور فالتة على عواهنها, فهل هناك ضابط أخلاقي قادر على ضبط حركة المتعاملين معه للحد من طيش إستخدامه ؟
وهل هناك قوانين ستحكم حركة تدفق التعامل مع الذكاء الاصطناعي ,تمنع, أو تحد وتعاقب عمليات التزوير والتلفيق التي يستخدم بها؟
فأنك لابد قد تابعت مشاهد كثيرة معدة بالذكاء الاصطناعي , بعضها ليست مؤذية جاءت للتندر والطرافة , وبعضها ملفقة و مدبرة لشأن أخر تبدو أحيانا ولدقتها كأنها حقيقية حتى وإن صعُب تصديقها , فبعض المتخصصين في هذا المجال يمكنهم فبركة ما يشاؤون فيصدقهم الناس ويروجونها عنهم متحمسين في غفلة منهم , دون أن يقع في حسبانهم أنها دسيسة مدبرة قد يذهب جراها ضحايا , خصوصا ما يطال النساء من فضائح , وهنَ وكالمعتاد أكثر عرضة من غيرهن للمكائد فيدفعنَ أحيانا حياتهن ثمنا لمزحة سخيفة أو تصرف إنتقامي تافه ,بإختراق الخصوصية وسرقة البينات الشخصية وتعريض الناس الى مخاطر لا قِبل لهم عليها ,مثل تلفيق مقاطع وهمية تبدو لمن يراها أو يسمعها , وكأنها حقيقة فيكون مستعدا للقسم أنه رأها بأم عينه وهو صادق طبعا , فكم من الناس ذهب ضحية خدعة , وكم من النساء فقدنَ حياتهنَ بسبب إفتراءات مصنعة !
فرغم المزايا العظيمة والتسهيلات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي لمستخدميه،/وكمثال هنا / ما يوفره من منافع جمة لذوي الاعاقات البدنية والبصرية, ومساعدة اصحاب البحوث الجادة بتوفيره الجهود والوقت عليهم , فنواحي فوائد الذكاء الاصطناعي شتى ومتشعبة ,غير أني لست في معرض تعدادها , بل لتحديد وجهة نظري في أن أي مشروع مهما بلغت أهميته ,إن لم يؤطر بقيم ويحدد مستخدميه بضوابط اخلاقية تحميه من الزلل فأنه بالضرورة والتجربة سيكون فعله كفعل أصابع الديناميت التي بدأت بغاية تقليل الجهد وأنتهت كآلة للموت, فتوظيف الذكاء الاصطناعي بذكاء المغرضين واصحاب النوايا الخبيثة قادر على زرع قنابل مفخخة ذكية قابلة على التفجر في مجتمعاتنا الرخوة وذات المناعة الهشة إزائها, فأي شرارة مغرضة يمكنها اشعال حرائق ذات لهب يصعب علينا فيما بعد إطفائها أو الحد من مخاطرها.
وقد قرأت ذات مرة , أن عالم الرياضيات الشهير الخوارزمي ,الذي وفق نظرياته في الرياضيات طُبقت خوارزميات الاجهزة الالكترونية الحالية, وله يعود الفضل في هذه الاختراعات, قد سُئل يوما عن كيفية تقيمه قيمة الانسان من وجهة نظر حسابية , فأجاب : أن الانسان ذو الاخلاق هو الواحد, وكل ما يضاف له من جمال ,ونسب ,وعلم , ومال ,يضيف له صفرا يضاعف قيمته , فما كان واحدا يصبح عشرة ويتضاعف بتضاعف المزايا ,فأما إذا ذهب العدد واحد وهو الاخلاق ذهبت قيمة كل الامور بعدها وعادت الى قيمتها الصفرية !
+ There are no comments
Add yours