تعاليم الحب ٩

قلب فيروز أمام نعش زياد: وداع يتكلّم باسم الأمهات والموسيقى

نصير شمّة

في لحظةٍ تتقاطع فيها الأمومة بالفن، والوجع بالصمت، وقفت فيروز أمام نعش ابنها زياد. لم تكن تقف كرمز وطني أو صوت استثنائي، بل كأم مكسورة، ترى قطعة من قلبها توارى تحت تراب الحياة. مشهدها في الكنيسة لم يكن مجرد لقطة عابرة، بل صورة ستبقى محفورة في ذاكرة كل من يعرف معنى أن تفقد أم ولدها، ومعنى أن تودّع روحًا خلقت موسيقى من لحمها وأيامها وأحلامها.
فيروز، الصوت الذي رافق الأمهات في أفراحهنّ وأتراحهنّ، في صباحات المدارس وحنين المنافي، تقف اليوم صامتة، لا تنشد، بل تنصت لما لم يُقال. صمتها أمام زياد، كان أشدّ من كل أناشيد العالم. كأنها كانت تقول دون صوت: “ها هو الولد الذي لحّن وجعي بصوته، وأعادني إلى ذاتي حين نسيتني الحروب.”
في لحظة الوداع، لا نستمع إلى “سألوني الناس”، بل نستعيدها من ذاكرتنا كأغنية وُلدت من أول تجربة فقد عاشتها الأم والابن معًا. في تلك الأغنية، كتب زياد عن غياب الأب، ولحّن لصوت أمه ما لم يكن في مقدور صبيّ في الرابعة عشرة أن يعبّر عنه، لولا أن قلبه كان أكبر من عمره. واليوم، تغيب “سألوني الناس” مجددًا، لكن في الغياب الأبدي هذه المرة، لا الأب مسافر، ولا الابن يكتب… بل الرحيل هو اللحن الأخير.


زياد لم يكن فنانًا عاديًا. كان الساخر الذي كشف هشاشة السلطة بابتسامة، والمجدد الذي كسّر القوالب بجملة موسيقية، والتلقائي الذي جعل العبث أداة من أدوات الوعي. لم يكن يهتم أن يُرضي، بل أن يُفكّر، أن يُثير، أن يوقظ النائمين. هو المبدع الذي أحبّ لبنان حتى في أكثر لحظاته قسوة، وانتقده كمن يعاتب قلبه.
وها هو اليوم يرحل، ويترك الوطن بلا موسيقاه، وأمه بلا ظله.
إن مشهد فيروز في الكنيسة، لا يخصّها وحدها. إنه لحظة شاملة، تمثل لسان حال كل أم في العالم فقدت ابنًا مبدعًا، أو إنسانًا بسيطًا، أو حلمًا لم يكتمل. تمثّل كل أم دفنت قلبها ولم تجد الكلمات. الفرق الوحيد أن فيروز هي من علّمتنا الغناء، والآن تعلمنا الصمت.
أما زياد، فهو لا يذهب إلى الغياب الكامل. هو حيٌّ في اللحن الذي رفض التكرار، في توزيعٍ انحاز إلى الحقيقة، في مقطعٍ إذاعيّ قال فيه ما لم يجرؤ عليه سواه، وفي أغانٍ ستكون زاد أجيال قادمة تبحث عن المعنى وسط ضجيج العالم.
فيروز اليوم ليست فقط أيقونة، بل أمّ نازفة بصمت. والنعش الذي ودّعته لم يكن نعشًا عاديًا، بل صندوقًا يحمل جملةً موسيقية لم تنتهِ، لكنها توقفت حيث بدأ الألم.
وهكذا… كما وُلِد زياد من رحم الفن، يرحل إليه.
وكما غنّت له فيروز في صغره، تصمت له في وداعه.
وهذا الصمت، هو أعلى صوتٍ يمكن أن يُقال.

عن الحب والفقد
في وداع زياد، يتجلّى أحد أعقد دروس الحب:
أن المحبة لا تحمينا من الفقد، بل تمنحه شكلاً أعمق.
فكلما كان الحب صافيًا، صار الغياب أوجع.
لكن في المقابل، كلما كان الحب صادقًا، بقي الغائب حاضرًا،
ليس بجسده، بل بصوته، بنوره، بما زرعه في قلوبنا من دهشة وحرية وجرأة على الحياة.
الحب لا يُختبر حين نلتقي، بل حين نُفارق.
في لحظة الفقد، نكتشف أن الحب ليس تملّكًا، بل استمرار.
وأن من نحبهم لا يرحلون فعلاً…
بل يتوزّعون في تفاصيلنا: في نغمة، في جملة، في صمت، في دمعة لا تحتاج إلى تبرير.
وهكذا، علمتنا فيروز، دون أن تقول:
أن الحب لا ينتهي عند الموت،
بل يبدأ من جديد… فينا، بنا، ولنا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours