“الزمان مكان سائل، والمكان زمان مُتجمّد” بحسب المُتصوّف محي الدين بن عربي، قول يقف على قدرٍ عالٍ من دقة التوصيف وثقة الإحالة لما هو متحرك أمام ما هو ساكن، كنت قرأت رأياً للروائية والكاتبة الكبيرة لطفية الدليمي، شاء وتصادف مع بداية عام جديد قالت فيه؛ “الأحتفال بالزمن خُدعتنا الكبرى؛ الزمن أبدي، سائل ممتد، ولا سلطة للتقاويم إلأ في أوهامنا”، حيال ذلك تلامعت في ذهني عبارة كولن ولسن تقول؛ “لو أستطاع كل إنسان أن يقتل أوهامه لأصبح إلهاً”، ثمة فكرة قادحة وجريئة جاء بها عالم اللاهوت” راينهولد نيبور”، تتبلّور بأن غالبية الجماهير من العوام والجُهّال، وبحكم هذا الوضع فهم غير قادرين على التفكير الذي يستند إلى المنطق، ثم أن التحليل من خاصية لا تتمتع بها إلا النخبة، وأن على هؤلاء خلق ما أسماه بـ “الوهم الضروري”، ذلك الذي يقوم على التبسيط ومس الجوانب العاطفة ومداعبة الوجدان وإعتماد الدعابة الفارغة من أي محتوى ذهني أوفكري، على غرار ومنوال ما تعتمد على بثه وتروج له وسائل الإعلام من خلال الصور المكررة والقصص الخيالية وبرامج اللهو المجاني، كما ويرى راينهولد أن الجمهور العام لا قدرة له على صناعة قرارات هادفة ومعقولة، من حيث هم لا يعون ولا يعرفون ماذا يحتاجون -أصلاً-، وهذا ما يترّتب عليه-من وجهة نظره- عدم إشراكهم في الكثير من القضايا العامة، فيما يحيل موضوعة صياغة وصنع القرارات على عاتق النُخب، وهم القلة الذكية، كما يرتـأي تسميتهم “أي النخب” من أجل أن يقوموا بخدمة مصالح أصحاب السلطة الحقيقية، ويعني بهم رجال المال والسياسة والإقتصاد، لعل ما يترّتب على كل ذلك، هو أن كيف يجب التعامل مع شُح الخدمات في مجال الصحة والمياه والكهرباء وغيرها الكثير قضايا ضرورية وكبرى، تتقدّمها حجم النسب العالية فيما يتعلق بالأمية بشقيها العادي والمعروف “القراءة والكتابة” وبما هو قائم ومُقبل، نعني ما يخص ويتجانب ويتجاذب وعالم الحاسوب والرقمنة وكل النُظم الالكترونية وصولا لما توصلت إليه مأثر ومناقب الذكاء الاصطناعي، الذي ما شاء يستبشر ويشيع بنوع جديد من الامية الرقمية، أختم بما يذهب إليه المُعلّق والمحلل السياسي المحنك “والتر ليبمان” حول فكرة “الوهم الضروري”، من حيث أن المجتمعات الديمقراطية ليس من شأنها التحكم في مصائر الناس بالقوة، كما تفعل السلطات المستبدة والغاشمة في بلدان العالم الثالث، من تلك التي تجيد ولا تريد ممارسة الديمقراطيّة، بل التحكم في تفكير الناس وسلب مقدراتهم، كان ليبمان يُؤمن بأن جوهر النظرية الديمقراطية الليبرالية، في معتمل مثل هذه الديمقراطيات يجب سماع صوت الجماهير، ومن ثم عليك التتحكم في صناعة هذا الصوت مسبقاً، للحد الذي يجب أن يأتي متطابقاً مع ما هو متوقع منه، وبمحض إرادته وحريته.
+ There are no comments
Add yours