إيّاك..!!
شعر/ حسن عبدالحميد
إيّاك.. همسًا
إيّاك.. صمتًا
طال بك الحزن،
وتاق الشوق لِلُقياك،
ذلك «الأسود»
الموشوم بفقدان
الأحبة..
زادك عطرًا.. سحرًا،
نعم..!!
لكن للقلب حقّ عليك،
يااااا.. يا ملاك،
أن تُشرق الألوان،
تشدو بأنفاسك سُكرى،
وأن يعبق بالذكرى
نسيم هواك.
إيّاك..
إيّاك من كل همّ
يُلِمُّ بهذا الوهج،
بهذا الوجه،
بهذا الحُسن،
فالحزن.. أبعد
ما يكون.. عن الأسى،
عن الظنون،
وكل شيء..
ما عداك..
يهون
آب 2026
إيّاك.. حين يتحوّل النهي إلى نداء للحياة
قراءة نقدية في قصيدة (إيّاك !!)
الشاعر: حسن عبد الحميد
بقلم: الكاتب والناقد أكرم توفيق

في قصيدة (إيّاك..!!) للشاعر حسن عبد الحميد لا يأتي العنوان بوصفه تحذيراً عابراً بل بوصفه عتبة دلالية تختصر جوهر النص وتفتح أبوابه على خطاب وجداني شديد الحميمية. فـ (إيّاك) تتكرر في القصيدة كأنها محاولة لإيقاظ المخاطَب من استسلامه للحزن وانتشاله من عتمة الفقد إلى فضاء أكثر إشراقاً واتساعاً للحياة.
يفتتح الشاعر نصه:
إيّاك.. همسا
إيّاك.. صمتا
طال بك الحزن
وتاق الشوق لِلُقياك
منذ البداية تتشكل مفارقة لافتة بين الهمس والصمت من جهة وبين الشوق للّقيا من جهة أخرى. فالهمس والصمت ليسا مجرد حالتين صوتيتين وإنما علامتان على انكفاء الروح وانحسارها تحت وطأة الحزن في حين يأتي الشوق بوصفه قوة داخلية ما تزال تتطلع إلى اللقاء.
وهنا يصبح تكرار (إيّاك) أشبه بفعل مقاومة .. مقاومة للحزن حين يتجاوز كونه إحساساً عابراً ليتحول إلى حالة إقامة دائمة في الروح.
ثم ينتقل الشاعر إلى صورة أكثر كثافة:
ذلك الأسود)
الموشوم بفقدان
الأحبة..)
إن (الأسود) هنا يتجاوز دلالته اللونية المباشرة ليحمل دلالة نفسية ووجدانية إنه لون الفقد والحداد. لكن الشاعر لا يكتفي بوصفه بل يمنحه فعلاً حسياً حين يقول (الموشوم) فالوشم أثر لا يُمحى بسهولة وبذلك يصبح الحزن شيئاً غائراً في الذاكرة والروح لا مجرد حالة عابرة يمكن التخلص منها.
وهذه من أكثر الصور الشعرية كثافة في النص لأنها تنقل الحزن من فضائه المعنوي إلى فضاء الجسد وتجعل الفقد أثراً مستديماً يرافق صاحبه.
غير أن الشاعر لا يترك مخاطَبه أسيراً لهذا السواد بل يفتح أمامه نافذة أخرى:
ادك عطرا.. سحرا
نعم..!!!
لكن للقلب حقّ عليك
هنا تبدأ القصيدة بالتحول من وصف الحزن إلى مجادلته. فحتى لو منح الفقد صاحبه عمقاً وسحراً وعطراً خاصاً يبقى للقلب حق عليه حق في الفرح وحق في استعادة الضوء وحق في ألا يتحول الحزن إلى قدر أبدي.
وتبدو عبارة (للقلب حقّ عليك) واحدة من أهم المفاتيح الدلالية في القصيدة لأنها تنقل العلاقة مع الحياة من كونها رغبة عابرة إلى مسؤولية تجاه الذات. وكأن الشاعر يقول إن الوفاء للراحلين والذكريات لا يعني بالضرورة التخلي عن الحياة
ثم تتسع مساحة الحنان في الخطاب:
يااااا.. يا ملاك
أن تُشرق الألوان
تشدو بأنفاسك سُكرى
وأن يعبق بالذكرى
نسيم هواك.
في هذا المقطع ينتقل الشاعر من عتمة الداخل إلى اتساع العالم الخارجي. الألوان.. الأنفاس.. الذكرى.. النسيم مفردات تنتمي جميعها إلى عالم الحواس وكأن الشاعر يعيد تشكيل المحيط من جديد بعد أن غطّاه الحزن بالسواد.
والجميل أن الذكرى لا تظهر هنا بوصفها عبئاً وإنما تتحول إلى نسيم يعبق في المكان. وهذه نقلة دلالية موفقة فالذكرى قد تكون وجعاً لكنها يمكن في الوقت نفسه أن تصبح عطراً يمر في الروح دون أن يثقلها.
أما تكرار (يااااا.. يا ملاك) فيمنح الخطاب شحنة عاطفية واضحة ويكشف عن رغبة في استعادة المخاطَب من عزلته لا بالقوة وإنما بالحنان.
وفي المقطع الأخير يعود الشاعر إلى اللازمة الأولى.
إيّاك..
إيّاك من كل همّ
يُلِمُّ بهذا الوهج
بهذا الوجه
بهذا الحُسن
لكن (إيّاك) هنا تصبح أكثر وضوحاً فهي ليست تحذيراً من المخاطَب وإنما تحذير للمخاطَب من كل ما يمكن أن يطفئه.
والتدرج الجميل من (الوهج) إلى (الوجه) إلى (الحُسن) يخلق تناغماً صوتياً ودلالياً في آن واحد ويربط الجمال الخارجي بالنور الداخلي. فالوهج ليس مجرد ضوء والوجه ليس مجرد ملامح والحسن ليس مجرد جمال إنها جميعاً صور للحياة التي يريد الشاعر حمايتها من الانطفاء.
ثم تأتي الخاتمة:
فالحزن.. أبعد
ما يكون.. عن الأسى
عن الظنون
وكل شيء..
ما عداك..
يهَون
وهنا تكتسب الخاتمة طابعاً تأملياً واضحاً. فالحزن على الرغم من حضوره الكثيف في بداية القصيدة لا يُراد له أن يكون نهاية الطريق. و(الظنون) تضيف إلى الحزن بعداً ذهنياً إذ لا يعود الألم مجرد إحساس وإنما يصبح قابلاً لأن تضاف إليه الهواجس والتأويلات.
أما (وكل شيء.. ما عداك.. يهَون) فتختزل موقف القصيدة كله في عبارة وجدانية مكثفة حضور المخاطَب هو الاستثناء وكل ما عداه قابل لأن يهون.
فنياً
تعتمد القصيدة على التكرار والحذف والجمل القصيرة وعلامات الترقيم في بناء إيقاعها الداخلي. وتأتي (إيّاك) بوصفها لازمة موسيقية ودلالية تتردد عبر النص فيما تؤدي النقاط المتتابعة دوراً في إبطاء الحركة وإيجاد مساحات من الصمت والتأمل.
كما يقوم المعجم الشعري على مجموعة من الثنائيات المتقابلة:
الأسود / الألوان
الحزن / الوهج
الفقد / الذكرى
الصمت / الأنفاس
الأسى / الحُسن
ومن خلال هذه الثنائيات يتشكل الصراع المركزي في القصيدة.. هل تستسلم الروح لما فقدت أم تستعيد حقها في الحياة؟
والشاعر لا يختار الطريق المباشر في الإجابة بل يترك الصور تتولى مهمة الإقناع فالأسود يقابله إشراق الألوان والصمت تقابله الأنفاس والحزن يقابله الوهج والفقد تتحول آثاره إلى ذكرى ونسيم.
وهذا يمنح النص حركته الداخلية من العتمة إلى الضوء ومن الانكفاء إلى الانفتاح ومن استعادة الألم إلى استعادة الحياة.
الخلاصة
(إيّاك..!!) قصيدة حوار مع روح أنهكها الفقد لكنها لم تفقد قدرتها على استقبال الضوء.
إنها لا تنكر الحزن ولا تطلب من الإنسان أن يمحو ذاكرته بل تدعوه إلى ألا يجعل من الحزن وطناً أبدياً.
وفي واحدة من أجمل دلالاتها تقول القصيدة إن للقلب حقاً على صاحبه أن يمنحه فرصة أخرى للضوء وأن يسمح للألوان بأن تشرق من جديد حتى بعد أن وشم الفقد ذاكرته بالسواد.
إنها قصيدة حانية في خطابها حزينة في منبعها لكنها في جوهرها قصيدة انحياز إلى الحياة.

+ There are no comments
Add yours