مخاطر تصاعُد الحرب في أوكرانيا

نمتار / د. ناصر زيدان

مع تصاعد وتيرة الحرب في أوكرانيا، يتزايد التوتر بين روسيا وحلف شمالي الأطلسي (الناتو) والتشنُّج وصل الى مستويات مرتفعة، ويكاد أي احتكاك غير محسوب أن يؤدي الى اندلاع مواجهات عسكرية. وقد اندفع مساعِدي الرئيس الأميركي دونالد ترامب (صهره جاريد كوشنير وستيف ويتكوف) لطلب موعد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحطَّ مدير المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف على عجل في موسكو لتهدئة الموقف وتجديد الوساطة. وقد ضاعفت عمليات الاعتراض التي استهدفت سُفن من “أسطول الظلّ” التجاري الروسي من سخونة الوضع، وهدَّد قائد الأسطول الروسي في المحيط الهادئ بتوقيف سفن الدول التي تُقدِم على تفتيش او احتجاز ناقلات روسية، او المُحمَّلة بمواد تخصها، وفي أي بقعة ترتأي البحرية الروسية أنها مناسبة. ويبدو أن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 12 آب/اغسطس الى جُزر الكوريل بأقصى الشرق مرتبط بهذا التوتر، على اعتبار أن الجُزر تُجاور ممرات صيفية دولية هامة، برغم أن اليابان لا تعترف لروسيا بالسيادة عليها.

بعد اجتماع رؤساء دول حلف الأطلسي في 7 و8 تموز/يوليو الماضي بأنقرة، تراجع منسوب الاهتمام الأميركي بتسوية الأزمة الأوكرانية، وصدرت قرارات تدعم أوكرانيا، وهي تُحمِّل روسيا مسؤولية استمرار الحرب، في وقت كان الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي يعترف علناً أن بلاده كانت وراء التصعيد لإجبار روسيا على وقف القتال كما قال. وهذه الوضعية المُستجدة انعكست قساوة في الموقف الروسي، ورفضت موسكو أي تنازلات يمكن أن تُعتبر ضعفاً في موقفها الاستراتيجي، وأجرت قواتها بعض عمليات التقدُّم على الأرض، ودخلت الى بلدات جديدة في إقليم دونباس وبالقرب من ساحل البحر الأسود، والهجمات تزايدت لتشمل مناطق بعيدة عن ساحة القتال، بما في ذلك مصافي النفط والموانئ والأحياء السكنية.

لكن التوتر وصل الى حدّهِ المتقدِّم بعد تكرار اختراق طائرات مُسيرة روسية أجواء بولندا ورومانيا، رغم عدم إقرار موسكو بالمسؤولية عن هذه الأعمال. وقد اجتمع مجلس حلف الناتو، وأصدر بيان في 12 آب/أغسطس يدين الاعتداءات الروسية – كما أسماها – مُحذراً موسكو من مغبة تكرار هذه “الاستفزازات” والتي قد تستدعي الردّ كما ورد في البيان.

سبق هذه الأجواء تشنجات واسعة حصلت بين روسيا وبعض الدول الأوروبية على خلفية قيام هذه الدول بتفتيش سفن تجارية على صلة بروسيا، في البحر الأبيض المتوسط وفي بحر البلطيق، بحجة أنها تخرق العقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو. وروسيا تُعدّ العدة لتنفيذ مهام مشابهة ضد سُفن أي دولة تعترض بحريتها ناقلات تحمل منتوجات تعود لروسيا.

والهجمات على سفن روسية من قبل الأوكران، والردود الروسية على سُفن أوكرانية تتسَّع في البحر الأسود، والبحر شريان أساسي لإقتصاد كل من البلدين اللدودين. وبطبيعة الحال؛ فإن هذه الأعمال مجتمعة قد تتفلَّت من الضوابط في أية لحظة، وتخرج ردود الفعل عن السيطرة، وقد تحصل مواجهات عسكرية بسببها.

ومن جهة أخرى؛ فإن تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، قد تفاقِم الخلاف، لأن حلف الأطلسي يرغب في وضع خطة لتأمين الممرات بالقوة العسكرية من دون التنسيق مع موسكو. والولايات المتحدة الأميركية وعدت روسيا بالتعويض عن تغييبها عن قضايا الشرق الأوسط، من خلال لعب دور فاعل لتسوية الأزمة الأوكرانية بما يتوافق مع الطموحات الروسية، ولكن ذلك لم يحصل، وتراجع الاهتمام الأميركي بالملف الأوكراني بحجة الانشغال في الحرب مع ايران، وتزويد واشنطن لكييف بصواريخ باتريوت، والسماح لها بتصنيعها على أراضيها، أغضب موسكو، وذكرت بعض المصادر أن روسيا أقدمت على تزويد طهران بالمعلومات وببعض التكنولوجيا، وربما بمعدات عسكرية رداً على هذا الموقف.

التدهوُّر غير المسبوق في العلاقات بين روسيا والمانيا؛ قد يكون أبلغ مثال عن التشنُّج القائم، وقد وصلت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين الى حدود مُتقدمة. وتقول موسكو أن برلين أصبحت شريكاً فعلياً في الحرب الأوكرانية عليها، بينما تعمل برلين على تحشيد قوات عسكرية كبيرة عن طريق إعادة فرض نظام الخدمة الإلزامية، ولا تخفِ كون ذلك مرتبط بالخطر الروسي كما يقول عدد من المسؤولين الألمان. والبيانات الصادرة عن الكرملين تعتبر أن العلاقات مع المانيا تشهد انهيار تاماً.

مع أهمية البؤر الساخنة الموجودة حالياً على المستوى العالمي، لا سيما في الشرق الأوسط (او غرب آسيا) لكن الاختناق الدبلوماسي الذي تعيشه العلاقات بين شرق أوروبا – وخصوصاً روسيا منها – وغربها، له ابعاده الخطرة على الاستقرار العالمي. وروسيا تعتبر أن تنامي الهجمات بواسطة مسيرات اوكرانية ممولة من دول الاتحاد الأوروبي، بمثابة عدوان عليها، بينما الاتحاد الأوروبي – وخصوصاً المانيا – لا يخفون مساعيهم الحثيثة في اتجاه انتاج منظومة حماية خاصة للقارة، لا تعتمد على القدرات العسكرية الأميركية.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours