مكتبة نمتار الذكية …جان فرانسوا ليوتار ” لمَاذا نتَفَلسَفُ؟”

اعداد / أياد القيسي

ترجمه / يوسف السهيلي

مقدمة

هذا الكتاب ليس بحثًا فلسفيًا تقليديًا، بل سلسلة محاضرات ألقاها الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار لطلاب السنة الأولى في جامعة السوربون عام 1964، وقد كُتب بأسلوب واضح وموجز، بعيدًا عن التعقيد الاصطلاحي الذي ميّز أعماله اللاحقة. يقدّم ليوتار تأملًا عميقًا في سؤال جوهري: لماذا نتفلسف في عالم تبدو فيه الفلسفة معزولة عن الواقع، أو غير مقنعة أصلًا؟

يأخذنا ليوتار في رحلة فكرية عبر تاريخ الفلسفة، من أفلاطون إلى ماركس، مرورًا بهيراقليطس وهيجل وبروست ولاكان، ليبيّن أن الفلسفة ليست ترفًا أكاديميًا، بل رغبة غير منتهية في الوصول إلى الحكمة وإلى “الآخر”. إنها محاولة دائمة لفهم الذات والعالم، وشهادة على واقع لا نستطيع التحكم فيه، لكننا نستطيع أن نشهد عليه. وهذا الكتاب، كما يوضح المقدّم كورين إندود، هو دفاع عن الفلسفة في زمن يبدو فيه العقل العملي والتقني هو المسيطر.

الفكرة المركزية

يرى ليوتار أن الفلسفة ليست مجرد معرفة نظرية، بل هي فعل وجودي ورغبة متجددة في المعنى. إنها ليست ملكًا للفلاسفة المحترفين، بل حاجة إنسانية أساسية تنبع من علاقتنا بالتاريخ، واللغة، والآخر. ومن خلال استعراضه لفلاسفة مختلفين، يبرز ليوتار أن الفلسفة هي حوار دائم بين الماضي والحاضر، بين الذات والعالم، بين اليقين والشك. إنها ليست بحثًا عن إجابات نهائية، بل عن أسئلة تبقى مفتوحة، وهي شهادة على نقصنا الدائم، ورغبتنا في ملئه بالكلام.

المحاور الرئيسية للكتاب

1- الفلسفة كرغبة في الحكمة والآخر… المحاضرة الأولى: “لماذا نرغب”؟

في هذه المحاضرة، يرسم ليوتار ملامح عامة لفلسفة أفلاطون وبروست ولاكان، موضحًا أن الفلسفة ليست مجرد معرفة، بل رغبة غير منتهية في الوصول إلى الحكمة، وإلى “الآخر” – أي كل ما هو خارج الذات، سواء كان إنسانًا آخر، أو العالم، أو الحقيقة. يستعين ليوتار بأسطورة إيروس في محاورة “المأدبة” لأفلاطون، حيث يظهر إيروس كابن للفقر (بينيا) والحيلة (بوروس)، فهو دائم الفقر، دائم البحث، لا إله ولا بشر، يعيش بين الحياة والموت. وهذا هو جوهر الرغبة الفلسفية: رغبة تنبع من النقص، وتسعى إلى ما هو مفقود، ولا تكتفي أبدًا. كما يناقش ليوتار قصة ألقيبيداس وسقراط، حيث يبيّن أن سقراط لا يملك الحكمة كشيء يمكن مقايضته، بل هو يدرك جهله، وهذا الإدراك هو جوهر الفلسفة. فالفلسفة، إذن، ليست رغبة في الحكمة، بل رغبة في الرغبة ذاتها.

2- الفلسفة والتاريخ: وحدة غير مستقرة… المحاضرة الثانية

يتناول ليوتار فكر هيراقليطس وهيجل، شارحًا الصلة العميقة بين الفلسفة والتاريخ؛ فكلاهما يحركهما القلق نفسه، والتطلع ذاته إلى الوحدة غير المستقرة. فالتاريخ ليس مجرد وقائع، بل هو حركة دائمة نحو المعنى، ونحو الوحدة المفقودة. يستشهد ليوتار بهيراقليطس الذي قال: “من هو ضد التيار هو من يمنح. وما ينجم عن الفروقات هو التناغم الأكثر جمالًا”، مؤكدًا أن الوحدة توجد في الكثرة، والتناغم في التعارض. أما هيجل، فيرى أن الفلسفة تنشأ من “االنفصال” (Entzweitung)، أي من انكسار الوحدة بين الروح والمادة، والحرية والضرورة. فالتاريخ، إذن، هو أثر البحث عن الوحدة المفقودة، والفلسفة هي التعبير عن هذا البحث الدائم. وليوتار يرفض فكرة أن للفلسفة “أصلًا” واحدًا، لأن النقص الذي يثير الفلسفة لم ينقضِ، بل هو متكرّر باستمرار.

3- الفلسفة كلغة وتواصل .. المحاضرة الثالثة

في هذه المحاضرة، يشرح ليوتار كيف أن الفلسفة هي شكل من أشكال التعبير، تواصلية وغير مباشرة في آنٍ واحد. فهي لا تقدم حقائق جاهزة، بل تثير الأسئلة وتفتح آفاقًا للتأويل. يناقش ليوتار فكرة أن التفكير ليس شيئًا منفصلًا عن الكلام، بل التفكير هو الكلام نفسه. فالكلام ليس مجرد تعبير عن فكرة سابقة، بل هو ما يُنشئ المعنى. ويوضح أننا عندما نتكلم، نكون في آن واحد داخل المعنى وداخل الدال (اللفظ)، ونعمل على جمعهما معًا. والكلام الفلسفي، على خلاف كلام الدين أو العلم، لا يملك يقينًا مطلقًا، بل يبحث عن المعنى في غياب الدلالات الثابتة. إنه كلام يعرف نقصه، ويعرف أنه لا يمكنه أن ينغلق على نفسه في نسق منطقي كامل، لكنه مع ذلك يُصغي إلى ما هو صامت في العالم. وهنا يظهر دور الفلسفة في جعل الصمت يتكلم، وجعل الغائب حاضرًا، من خلال اللغة.

4- الفلسفة كفعل تغيير …المحاضرة الرابعة

في المحاضرة الأخيرة، يتناول ليوتار فكر ماركس، موضحًا قدرة الفلسفة على أن تكون فعلاً تغييريًا في العالم. فالفلسفة ليست مجرد تفسير للواقع، بل هي أداة لتحويله. لكن ليوتار يحذّر من اختزال الفلسفة إلى أيديولوجيا، أي إلى نظام مغلق يقدّم حلولًا جاهزة. ويستشهد بمقولة ماركس الشهيرة: “ما فتئ الفلاسفة يتأولون العالم بأشكال متعددة، في حين كان لزامًا عليهم تغييره”. لكنه يبيّن أن هذا التغيير لا يمكن أن يتم بدون “نظرية”، أي بدون كلام يخاطر بقول ما يحدث وأين يمضي. فالفعل التغييري يحتاج إلى إصغاء إلى العالم، إلى فهم المعنى الكامن في الواقع، وإلى تحويل هذا المعنى إلى خطاب. وهكذا، فإن الفلسفة ليست عاجزة، بل هي الشهادة الحية على أن العالم يحتاج إلى كلام ليتغير، وأن الكلام يحتاج إلى العالم ليكون حقيقيًا.

 

الاستقبال النقدي

حظي الكتاب بتقدير واسع كمدخل ممتاز لفكر ليوتار، خاصة أنه كُتب بلغة واضحة ومباشرة موجهة لطلاب الفلسفة المبتدئين. وقد اعتبره النقاط دليلاً على أن ليوتار، رغم ارتباط اسمه بـ”ما بعد الحداثة” التي انتهت “موضتها” حسب قوله، يظل واحدًا من أهم الأصوات الفلسفية في عصره. كما أشادوا بقدرته على جعل الفلسفة قريبة من الحياة اليومية، بعيدًا عن التجريد الأكاديمي. وقد وصفه الفيلسوف سايمون كريتشلي في تقديمه للكتاب بأنه “أكبر دليل على أن ليوتار من أهم الأصوات المسموعة في عالم الفلسفة، لما تحمله من أصالة وجدة ومتعة وسهولة في آن”.

المغزى الفكري

يقدّم لنا ليوتار في هذه المحاضرات دفاعًا عن الفلسفة في زمن يبدو فيه العقل العملي والتقني هو المسيطر. إنها دعوة إلى استعادة دهشة الفلسفة، وإلى الاعتراف بأن الأسئلة الكبرى حول المعنى، والعدالة، والجمال، والوجود، لا يمكن أن تموت، مهما بدت الفلسفة بعيدة عن هموم الناس. الفلسفة، في نظر ليوتار، ليست ماضًا نستذكره، بل حاضر نعيشه ومستقبل نصنعه. إنها ليست أيديولوجيا مغلقة، بل هي رغبة متجددة في المعنى، وشهادة على نقصنا الإنساني، ومحاولة دائمة لتجاوزه. وهي أيضًا مسؤولية: مسؤولية تسمية ما يجب أن يُقال وما يجب أن يُفعل، في عالم يبحث عن معنى.

خلاصة

“لماذا نتفلسف؟” هو كتاب تأسيسي لكل من يريد فهم جوهر الفلسفة ودورها في الحياة. إنه ليس مجرد مقدمة لفكر ليوتار، بل هو شهادة حية على أن الفلسفة تبدأ حيث ينتهي اليقين، وحيث يبدأ السؤال. بأسلوبه الشيق والعميق، يذكّرنا ليوتار بأن الفلسفة ليست ملكًا للفلاسفة المحترفين، بل هي حاجة إنسانية أساسية، تنبع من رغبتنا في المعنى، ومن إصغائنا إلى العالم. إنها دعوة إلى التفكير النقدي، وإلى تحمل مسؤولية الكلام والفعل، في عالم مليء بالصمت والغموض. كتاب ضروري لكل قارئ يبحث عن معنى في زمن السرعة والاستهلاك، وهو تذكير بأن الحكمة رحلة، لا وجهة، وأن السؤال الفلسفي هو الباب الذي لا يُغلق أبدًا.

نبذة عن المؤلف

جان فرانسوا ليوتار (1924–1998) فيلسوف وعالم اجتماع ومنظر أدبي فرنسي، يُعد من أبرز فلاسفة ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة. اشتهر بمصطلح “ما بعد الحداثة” الذي صاغه في كتابه الشهير “الوضع ما بعد الحداثي” (1979)، حيث عرّفها بأنها “عدم الثقة في السرديات الكبرى”. تنوعت اهتماماته بين الفلسفة، السياسة، الفن، والتحليل النفسي، وترك إرثًا فكريًا غنيًا ما زال مؤثرًا حتى اليوم. من أبرز أعماله: “الخطاب، الشكل”، “الاقتصاد اللبيبدوي”، “النزاع”، و”اللاإنساني”.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours