نمتار من باريس…كاظم الساهر من مدن الأحزان إلى كتاب الحزن

 

نمتار / إبراهيم السعدي*

أطلق القيصر كاظم الساهر مؤخرًا أغنيته متى، وهي برأيي ليست أغنية منفصلة عن مسيرته، بل يمكن قراءتها بوصفها امتدادًا لرحلة فنية بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وتغيّرت خلالها الكلمات والألحان والتجارب، لكن بقي شيء عراقي واضح يسكن صوته الشجن

من وجهة نظري، كاظم الساهر ليس وحده في ذلك، فمن يستمع إلى الأغنية العراقية، قديمها وحديثها، يلاحظ حضور الحزن بقوة في أصوات مطربيها، من داخل حسن إلى ياس خضر وسعدون جابر وحسين نعمة وكاظم الساهر، اختلفت المدارس والأصوات، لكن بقي للحزن مكان واسع في الأغنية العراقية. حتى أغنيات الحب كثيرًا ما تمر بالفراق والانتظار والحنين قبل أن تصل إلى الحبيب.  لكن القيصر هو من أكثر الفنانين الذين جمّلوا الحزن من خلال شعر نزار قباني والألحان الأوركسترالية الضخمة. الحزن عند الساهر لم يكن يوماً استسلاماً مسرحياً، بل كان حزناً أنيقاً.

ومن المثير أن البحث عن جذور هذا الحزن يعيدنا إلى ما هو أقدم بكثير من الأغنية الحديثة، فقد حاول مؤرخون وباحثون في حضارة بلاد الرافدين تفسير النزعة القلقة والمتشائمة التي تظهر في بعض النصوص العراقية القديمة بالبيئة التي عاش فيها سكان المنطقة.

كان دجلة والفرات مصدر الحياة والخصب، لكن فيضاناتهما كانت أحيانًا عنيفة وغير منتظمة، فتحولت المياه التي تمنح الحياة إلى قوة قادرة على تدمير الزرع والبيوت وحصد الأرواح،  وربما لهذا لم يكن غريبًا أن تحتل فكرة الطوفان والموت والفناء مكانًا مهمًا في المخيال الرافديني القديم. ففي ملحمة جلجامش المعروفة، يقف الإنسان أمام الموت عاجزًا. فيفقد جلجامش صديقه إنكيدو، فيهتز عالمه، ويخرج باحثًا عن الخلود لأنه اكتشف فجأة أن مصير صديقه سيكون مصيره هو أيضًا. وبرأيي كأن سؤال الإنسان الرافديني منذ آلاف السنين كان: كيف نعيش ونحن نعرف أن كل شيء يمكن أن ينتهي؟

لكن من الخطأ أن نحول هذه القراءة التاريخية إلى حكم أبدي، فنقول إن العراقي حزين بطبيعته، لان الشعوب لا تحمل صفات ثابتة في دمائها، والشخصية الاجتماعية تتغير بتغير الأجيال والظروف. وربما كان العراقي المعاصر، وخصوصًا الأجيال الجديدة، أكثر رغبة في الحياة والانفتاح والسفر والتعلم والإبداع، وأكثر رفضًا لأن يبقى أسير الصورة التي رسمتها له الحروب والمآسي والتاريخ.

هنا أعود إلى كاظم الساهر،  فهو ابن واضح لهذه المدرسة العراقية في الشجن، فلم يكن الحزن عنده في الكلمات وحدها، بل في طريقة الغناء، وفي مدّ الجملة الموسيقية، وفي الآهات والصرخات التي يطلقها على المسرح، وفي تلك المساحة التي يتركها لصوته لكي يبدو أحيانًا وكأنه لا يغني الألم، بل يعيشه.  وفي منتصف التسعينيات غنّى عبارة تختصر جانبًا كبيرًا من رؤيته الفنية آنذاك: «ان الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان». ثم تحدث عن وجع يمتد من بغداد إلى الصين. ويمكن أن نقرأ هذا الوجع بأعتباره أكبر من تجربة عاشق مع حبيبته، إنه وجع عراقي وإنساني وُجد في صوت كاظم مساحة للتعبير عنه.

كان كاظم الساهر يغني للحب. فالحب عنده انتظار وغياب وغيرة وفراق وذاكرة ودموع، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تتحول حفلاته أحيانًا إلى حوار عاطفي طويل بين صوت على المسرح وجمهور يجد في ذلك الصوت شيئًا من حياته الخاصة، و لكن في عام 2026، عندما نسمعه يتساءل في اغنيتهِ «متى»: متى كتاب الحزن يخلص واسكّره ؟، أشعر أن السؤال يحمل معنى يتجاوز الأغنية نفسها.، كأن الفنان الذي رافقه الحزن طوال عقود بدأ يسأل نفسه: إلى متى؟ ويمكن أن نفهم السؤال أيضًا بطريقة أوسع: متى ينتهي كتاب الحزن العراقي؟ متى يتوقف العراقي عن تعريف نفسه فقط من خلال الحروب والفقد والمنفى والموت؟ ومتى تصبح الذاكرة مصدرًا للفهم لا سجنًا نعيش داخله؟

بالطبع، لا أعتقد أن كاظم يقصد بالضرورة كل هذا المعنى الاجتماعي والتاريخي في الأغنية ، فهذه قراءتي الشخصية لهذه الاغنية، لكن الفن الجميل يسمح لنا بأن نرى في الكلمات أكثر من معناها المباشر في سياق الاغنية.  واخيراً : لقد قرأ العراقيون من كتاب الحزن صفحات كثيرة، وربما أكثر مما ينبغي، وحان الوقت أن نكتب، إلى جانبه، كتابًا آخر للعراق: كتاب الفرح، والحب، والإبداع، والمستقبل.

كاتب وباحث عراقي مقيم في باريس*

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours