نمتار / بقلم: حنان بديع
منذ سنوات تتردد عبارة مفادها أن “الجيل الجديد أقل ذكاءً من الجيل الذي سبقه”، وهي مقولة تثير كثيرًا من الجدل، لكن السؤال الأهم ليس: هل أصبح الجيل أقل ذكاءً؟ بل: ما الذي تغير في البيئة التي تشكل هذا الذكاء؟
خلال معظم القرن العشرين، لاحظ العلماء ارتفاعًا تدريجيًا في متوسط نتائج اختبارات الذكاء حول العالم، وهي الظاهرة التي عُرفت باسم “تأثير فلين”. وقد أرجع الباحثون ذلك إلى تحسن التعليم، والرعاية الصحية، والتغذية، وزيادة التعرض للمعرفة.
إلا أن الصورة بدأت تتغير في عدد من الدول منذ بداية الألفية الجديدة، حيث سجلت بعض الدراسات انخفاضًا أو تباطؤًا في نتائج اختبارات الذكاء والقدرات المعرفية، خاصة لدى الشباب. ولا يعني ذلك أن جميع الأجيال أصبحت أقل ذكاءً، وإنما يشير إلى تغير في بعض المهارات العقلية التي كانت تقيسها تلك الاختبارات.
يصعب الحديث عن تراجع بعض القدرات الذهنية دون التوقف عند الثورة الرقمية. فقد منحت الهواتف الذكية والإنترنت الإنسان قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات، لكنها في المقابل قللت حاجته إلى حفظها أو استرجاعها.
اليوم، أصبح الهاتف يتذكر الأرقام، ويقترح الطريق، ويصحح الأخطاء اللغوية، ويجيب عن الأسئلة خلال ثوانٍ. ومع الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات، تتراجع ممارسة بعض العمليات العقلية التي كانت تنشط الذاكرة والانتباه والتفكير المتسلسل.
ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه الجيل الحالي هو تشتت الانتباه. فالإشعارات المستمرة، ومقاطع الفيديو القصيرة، والتنقل السريع بين التطبيقات، كلها تعود الدماغ على استقبال المعلومات في جرعات صغيرة ومتلاحقة.ومع مرور الوقت، يصبح من الأصعب قراءة كتاب طويل، أو متابعة محاضرة كاملة، أو التركيز في مهمة واحدة لفترة ممتدة.
هذا التحول قد يقلل من فرص تدريب الدماغ على التفكير النقدي والتحليل العميق، وهما من أهم مكونات الذكاء المعرفي.
ليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها، وإنما في طريقة استخدامها. فحين تتحول الشاشات إلى وسيلة للتعلم والبحث والإبداع، تصبح أداة لتعزيز القدرات العقلية. أما عندما تقتصر على الاستهلاك السلبي للمحتوى السريع، فإنها قد تسهم في إضعاف بعض المهارات الذهنية مع مرور الزمن.
ربما لا يكون الجيل الجديد أقل ذكاءً من سابقيه، لكنه يعيش في بيئة مختلفة أعادت تشكيل مفهوم الذكاء نفسه. فالتكنولوجيا لم تُضعف العقول بقدر ما غيّرت طريقة استخدامها. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: “هل تراجع ذكاء الجيل الجديد؟”، بل: “كيف نساعده على استثمار قدراته في عالم يزداد سرعةً وتعقيدًا كل يوم؟”.

+ There are no comments
Add yours