المغامرات على الساحة اليمنية خلفها مخاطر كبيرة

متار / د. ناصر زيدان

خرق الطيران الإيراني الحضر المفروض على هبوطه في مطارات اليمن، بمناسبة نقل الوفد الحوثي المشارك بتشييع المُرشد الأعلى السيد علي خامنئي. والعملية لم تكُن المرَّة الوحيدة التي تحاول فيها ايران إحداث اضطرابات خشِنة تحمل عنها بعض الوزر المُلقى على كاهلها من جراء الحرب الأميركية – الإسرائيلية عليها. فقد حصلت محاولات سابقة من قبل جهات إيرانية لإدخال الحوثيين اليمنيين في الصراع، كما حصل مع حزب الله اللبناني ومع بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق. لكن حركة “أنصار الله” الحوثية تجنَّبت خوض النزال، لأسباب مالية ولوجستية غير مساعدة، ولأن اعتباراتهم الداخلية لا تسمح لهم بالمغامرة في دخول الحرب، حيث الذين أيدوهم من القبائل بمناسبة إطلاقهم صواريخ على إسرائيل مساندةً للفلسطينيين، لا يوالونهم بذات القدر إذا ما أقدموا على دخول الحرب الى جانب ايران.

التوتر الكبير الذي حصل يوم الإثنين الماضي بُعيد قصف طائرات الحكومة الشرعية التي يرأسها رشاد العليمي لمطار صنعاء، لمنع هبوط طائرة إيرانية على مدرجاته؛ كاد أن يتفاقم الى حرب واسعة، ذلك أن حركة “أنصار الله” اتهمت المملكة العربية السعودية بالوقوف وراء العملية، والحركة أطلقت بعض الصواريخ على مطار أبها جنوب المملكة، لكن المضادات السعودية اعترضتها قبل أن تصل لأهدافها. المعادلات القائمة لا تسمح بتطوير الصدام، فالعليمي خفَّف من حدة مواقفه العالية السقف، والحوثيون تهيبوا مخاطر اللحظة، وأكتفوا ببعض البلاغات المُتشددة المُعتادة، من دون أن يُقدموا على أي حراك عسكريٍ ملحوظ، رغم أن ايران دخلت على خط التوتر فوراُ، محذرةً من مغبة خرق تفاهم العام 2023 الذي ابرمته في الصين مع الرياض.

ليس للحوثيين حالياً قدرة على تلبية طلب ايران بإغلاق مضيق باب المندب، فإي عملية معزولة سيقومون بها، قد تجُرّ عليهم الهلاك. وهم غير قادرين على خوض حرب مع قوات مجلس القيادة الرئاسي ايضاً، لأن وضعهم المالي صعب جداً، وغالبية اليمنيين الذين يقطنون في مناطق نفوذهم يعانون من فقرٍ مُدقِع، ويعيش معظمهم على المساعدات العربية والأممية، كما أن العلاقة بين شيوخ قبائل اليمن والحوثيين في أدنى وضعية، واحتمالية اندلاع مواجهات فيما بينهم قائمة أكثر من أي وقتٍ مضى. بالمقابل فإن العليمي وحكومته يعانون من مشكلات وازنة في الجنوب، وهم لم يعالجوا التوترات السابقة مع المجلس الانتقالي كما يجب، والمملكة العربية السعودية التي تدعمهم، لا ترغب بإحداث أي نزاع عسكري حالياً، وهي حريصة على تفاهمات العام 2022 والعام 2023 وتعرف أن الاضطرابات في اليمن ستخدُم آجندة ايران التي ستستثمرها في الحرب الدائرة ، وقد تؤدي الى توتر غير مرغوب في مياه خليج عدن وفي مضيق باب المندب، وهذا الأمر سيعقِّد المشهد في ظل الخلاف القائم حول مضيق هرمز على مدخل الخليج العربي.

ويشكل اختلال موازين القوى في المنطقة؛ عاملاً أساسياً في منع أي مغامرات غير محسوبة قد يقوم بها الحوثيون، فهؤلاء يعيشون في المناطق الوعِرة بشبه حصار مالي وتجاري وتسليحي، حتى أن المواد الحساسة التي يحتاجونها لتصنيع المُسيرات والصواريخ؛ لم تعُد متوافرة لديهم، واغلاق الموانئ الإيرانية أضرَّ بهم، كذلك فإن الرقابة البحرية على تهريب الأسلحة أصبحت أكثر انطباقاً، وتواصلهم مع جماعات صومالية موالية صعبٌ جداً، وقد أوقفت زوارقهم في البحر، ولم يتمكنوا من إيصال أسلحة حديثة الى هذه الجماعات. وفرض العقوبات الدولية منع كل التحويلات المالية لهم، والمساعدات المعيشية قد تتوقف بالكامل عن المناطق التي يسيطرون عليها، إذا ما دخلوا بأي مواجهات جديدة.

من غير المتوقع أن تتجدَّد الحرب في اليمن، ويبدو أن التهديدات المتبادلة تأتي من باب تأكيد الحضور، ولا تخفِ قراراً بالمواجهة. فشراكة الحوثيين لإيران في حربها دونه معوقات سياسية وعسكرية واقتصادية، وربما عقائدية. وتكفي الإشارة الى التباين الحاصل بين الحوثيين “الزيديين” والتفسير الفقهي الذي يعتمده قادة طهران. فأنصار الله لا يقرُّون بأن المعركة الحاصلة هي استحقاق تاريخي يسبق ظهور الإمام “المُخلِّص”، ولا يعترفون بغيابه. وهؤلاء يأخذون بالاعتبار مصالحهم الداخلية في أي أعمال يقومون بها، وتعاونهم مع ايران؛ لا يعني أنهم ينصاعون لتوجيهاتها في كل شأن، وغالباً ما يكون الأمر فيه تبادل منافع، ولأن الحالة الاعتراضية تناسبهم لتعبئة الداخل أكثر مما تناسبهم أجواء الاستقرار والسكينة.

يعرف أطراف المعادلة اليمنية منسوب الصعوبات التي تواجه أي عملية عسكرية، وتجارب الماضي أثبتت أن الاستهداف الخارجي للجبال اليمنية الوعرة؛ فيه مشقة كبيرة، كما أن الصمود في هذه الجبال صعبٌ جداً، ولم تعُد العِزلة تتلاءم مع الحياة العصرية التي تحتاج للتواصل مع العالم، كما تحتاج للمال ولمقومات العيش الأُخرة. لدى فريقي الصراع في مجلس القيادة الرئاسي والحوثيين نقاط قوة متوازنة وكذلك نقاط ضعف، وملف الجنوب عبئٌ إضافيٌ على الطرفين أيضاً وأيضاً، حيث الجنوبيون يرفضون إعطاء الحوثيون مساحة كبيرة في التأثير على الحياة السياسة اليمنية من جهة، وقادة المجلس الانتقالي الجنوبي لم يستكينوا نهائياً للتسوية التي حصلت مع مجلس القيادة الرئاسي في شباط الماضي من جهةٍ ثانية.

تموز / بيروت

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours