نمتار / إبراهيم السعدي

تُعدّ المواطنة من المفاهيم المهمة التي ارتبطت بظهور الدولة الحديثة، وتعني ببساطة العلاقة التي تربط الإنسان بالدولة التي ينتمي إليها. هذه العلاقة تقوم على مجموعة من الحقوق والواجبات، أي أن يكون الفرد عضوًا في المجتمع، له حقوق تحميها الدولة، وفي الوقت نفسه عليه واجبات تجاهها وتجاه المجتمع. لذلك فالمواطنة لا تعني فقط أن يحمل الإنسان جنسية دولة معينة أو جواز سفرها، بل تعني أيضًا أن يكون متساويًا مع الآخرين أمام القانون، وأن تكون له حرية المشاركة في الحياة العامة، وأن يشعر بأنه جزء من هذا المجتمع.
ولو عدنا إلى تاريخ هذا المفهوم، سنجد أن جذوره الأولى ظهرت في المدن اليونانية القديمة، وخصوصًا في أثينا، حيث كان المواطن يشارك في إدارة شؤون المدينة واتخاذ بعض القرارات المتعلقة بها. لكن مفهوم المواطن في ذلك الوقت كان محدودًا، ولم يكن يشمل جميع السكان.
ثم تطورت الفكرة عند الرومان، وأصبحت المواطنة مرتبطة أكثر بالحقوق القانونية التي يحصل عليها الفرد وبالحماية التي توفرها له الدولة.
أما المواطنة بالشكل الذي نفهمه اليوم، فقد بدأت تتضح أكثر مع عصر التنوير في أوروبا، ثم مع الثورتين الأمريكية والفرنسية، وخصوصًا الثورة الفرنسية عام 1789. فمنذ ذلك الوقت أصبحت مفاهيم مثل الحرية والمساواة والحقوق والسيادة الشعبية جزءًا أساسيًا من فكرة المواطنة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المواطنة مرتبطة فقط بالحقوق السياسية والمدنية، كالانتخاب وحرية التعبير والمساواة أمام القانون، بل أصبحت تشمل أيضًا حقوقًا اجتماعية، مثل التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية. وبذلك أصبح مفهوم المواطنة يقوم بصورة عامة على خمسة عناصر أساسية: الحقوق، والواجبات، والمساواة، والمشاركة، والانتماء.
* المواطنة في العراق
أما في العراق، فيمكن أن نبدأ الحديث عن المواطنة الحديثة مع تأسيس الدولة العراقية سنة 1921. فمع قيام الدولة الجديدة لم يكن المطلوب فقط إنشاء حكومة ومؤسسات وقوانين، وإنما كان هناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية، وهو بناء علاقة بين الإنسان وهذه الدولة الجديدة، وخلق شعور بالانتماء إلى كيان سياسي واحد اسمه العراق.
وبعد تأسيس المملكة العراقية بدأت الدولة تدريجيًا بتنظيم الجنسية والحقوق والواجبات، ثم جاء القانون الأساسي العراقي عام 1925 ليضع إطارًا دستوريًا للدولة ويتحدث عن مجموعة من الحقوق والحريات والمساواة أمام القانون.
لكن إذا نظرنا إلى تاريخ العراق منذ ذلك الوقت، سنجد أن مفهوم المواطنة لم يتطور في خط مستقيم. فالعراق شهد خلال القرن العشرين تغيرات سياسية كبيرة، بدءًا من العهد الملكي، ثم قيام الجمهورية عام 1958، وما أعقب ذلك من انقلابات وصراعات وأنظمة سياسية مختلفة. ومن الطبيعي أن تؤثر كل هذه التحولات في علاقة المواطن بالدولة.
ففي مراحل معينة توسع دور الدولة في التعليم والصحة والتوظيف والخدمات العامة، وهذا يمثل جانبًا مهمًا من المواطنة الاجتماعية. وفي مراحل أخرى تراجعت الحريات والمشاركة السياسية، وبالتالي كان هناك ضعف في الجانب السياسي من المواطنة.
وهنا، في رأيي، نصل إلى واحدة من أهم مشكلات المواطنة في العراق، وهي المسافة بين ما تقوله القوانين والدساتير وبين ما يعيشه المواطن في الواقع.
فوجود حق معين في الدستور لا يعني بالضرورة أن المواطن يستطيع الاستفادة منه بسهولة. والمواطنة الحقيقية لا تتحقق فقط عندما يحمل الإنسان الجنسية العراقية، وإنما عندما يشعر أن القانون يحميه، وأنه متساوٍ مع غيره، وأن حصوله على وظيفة أو خدمة أو فرصة لا يتوقف على علاقاته الشخصية أو الاجتماعية، وإنما على حقه كمواطن وعلى قوانين واضحة تطبق على الجميع.
المواطنة بعد 2003
بعد عام 2003 دخل العراق مرحلة مختلفة. فقد ظهرت تعددية سياسية وحزبية واسعة، وأصبح المواطن يشارك في الانتخابات، كما توسع مجال الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والعمل السياسي.
ثم جاء دستور 2005 ليؤكد مجموعة واسعة من الحقوق، وفي مقدمتها المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والحريات، والحقوق السياسية والاجتماعية، كما اعتبر الجنسية العراقية أساسًا للمواطنة.
لكن كتابة هذه الحقوق في الدستور لا تعني أن مشكلة المواطنة قد انتهت. فما زال العراق يواجه مشكلات تتعلق بسيادة القانون، والفساد، وضعف بعض المؤسسات، وتكافؤ الفرص، ومستوى الخدمات، والثقة بين المواطن والدولة.
ومن هنا أعتقد أنه من المفيد أن نفرق بين نوعين من المواطنة: المواطنة القانونية، أي الحقوق التي يمنحها الدستور والقانون للإنسان، والمواطنة الفعلية أو المعاشة، أي ما يستطيع المواطن الحصول عليه وممارسته فعلًا في حياته اليومية.
وفي المقابل، لا يمكن أن نتحدث عن المواطنة باعتبارها حقوقًا فقط. فالمواطن نفسه لديه واجبات، مثل احترام القانون، واحترام حقوق الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والمشاركة في المجتمع، والشعور بالمسؤولية تجاه المصلحة العامة.
الخلاصة
بعد أكثر من مئة عام على تأسيس الدولة العراقية، أعتقد أن المشكلة لم تعد في وجود مفهوم المواطنة من عدمه، فهو موجود في الدستور والقوانين. المشكلة الحقيقية هي كيف نحول المواطنة من نص مكتوب إلى شيء يشعر به الإنسان في حياته اليومية.
وهذا لا يقع على الدولة وحدها ولا على المواطن وحده. فنحن بحاجة إلى دولة تعامل الناس على أساس أنهم مواطنون متساوون، وتحمي حقوقهم وتطبق القانون على الجميع، وفي المقابل نحتاج إلى مواطن يعرف حقوقه، لكنه يعرف أيضًا أن عليه واجبات ومسؤولية تجاه بلده ومجتمعه.
فالمواطنة في النهاية ليست مجرد جنسية نحملها أو جواز سفر نستخدمه، وإنما هي علاقة حقيقية بين الإنسان ووطنه، تقوم على الحقوق والواجبات والمساواة والمشاركة والشعور بالانتماء إلى وطن مشترك
باريس
2026/9/2

+ There are no comments
Add yours