نحن والحروب وإرث النار والرماد

نمتار / بقلم: عبد الحميد زيباري

ما إن تفتّحت أعيننا على هذه الدنيا، ونحن في العراق نتنفس غبار الحروب؛ معركة تولد من رحم أخرى، في دوامة عبثية لا ناقة لنا فيها ولا جمل. كأنّ قدرنا، نحن أبناء هذه الرقعة الجغرافية المثقلة بالتاريخ، أن نكون حطبًا لصراعات لا تنتهي، وتدفع شعوبنا ضريبة فادحة من أرواحها وأمنها، واهنةً تحت وطأة الأقدار التي جعلت من بلادنا مسرحًا دائمًا للفجائع وموطنًا للويلات المستمرة.

كنا صغارًا غضّي الإهاب في ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت ذاكرتنا تتشكل على وقع هدير الطائرات الإيرانية وهي تجوب سماءنا بانتظام مرعب. لم تكن مدينتي “عقرة” –وهي مسقط رأسي وملاذ روحي أولاً– سوى مدينة هادئة غافية في أحضان الجبال، تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط المواجهة الأمامية، خالية من أي ثقل أو أهمية عسكرية. ومع ذلك، لم تشفع لها طبيعتها الوادعة؛ فكان قدرنا اليومي يفرض علينا الاستيقاظ الفزع قبل خيوط الفجر الأولى، محرومين من لذة النوم الطفولي، لنجنب أنفسنا حمم القصف الجوي العشوائي الذي كان يستهدف بيوت المدنيين الآمنين قبل ثكنات العسكريين.

لا تزال تلك اللوحات الرمادية محفورة في وجداني بوضوح مؤلم؛ حين كنا نهرع مع أولى نسائم الفجر نحو التلال القريبة المحيطة ببلدتنا، نلتحف بالبطانيات الثقيلة لنحتمي من زمهرير الشتاء وقسوة الطقس في منطقة جبلية تُعرف بغزارة أمطارها وثلوجها. كان القصف يبدأ غالباً مع خيوط الشروق الأولى، ومعه تتوقف عجلة الحياة تماماً؛ إذ كان الخوف والهلع يمنعاننا من ارتياد مدارسنا، خشية أن نكون الحصاد القادم لتلك الحرب الضروس التي التهمت طمأنينة المدينة وحولت الكثير من أبنائها إلى ضحايا لجهنمها اللعينة.

ثمة تفاصيل عصية على النسيان، تأبى أن تطويها السنون. أذكر جيدًا أحد تلك الصباحات الباردة، حين أصرّت والدتي (رحمها الله) بإلحاحها المعهود النابع من قلب أمّ يستشعر الخطر، أن نغادر البيت فورًا نحو التلال القريبة. ولا تزال الصورة شاخصة أمام عيني كشريط سينمائي بطيء: طائرة مقاتلة تشق عنان السماء، تفرغ حمولتها من القذائف بشكل عشوائي، ليسقط أحد تلك الصواريخ على بعد أمتار معدودة من عتبة بيتنا. لعلها العناية الإلهية التي جعلت الصاروخ يرتطم بقطعة أرض طينية لينة بفعل الأمطار الشتوية، فغاص فيها مستسلمًا دون أن ينفجر.

ركضتُ عائدًا والأنفاس تتلاحق في صدري، لأجد عائلتي – جدي وجدتي، والدي ووالدتي، وإخوتي – في حالة من الجمود والذهول داخل المنزل الذي رفضوا مغادرته. حمدنا الله كثيرًا على هذه النجاة الإعجازية؛ فلولا ذلك الطين الرطب لكانت عائلتي بأكملها في عداد الغائبين. اضطررنا بعدها لترك منزلنا أيامًا عدة مرغمين، نرقب من بعيد الفرق الفنية وهي تحاول انتزاع ذلك الموت المزروع في باطن الأرض.

حين أُعلن انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، شعرنا بفسحة من الأمل، وتنفسنا الصعداء ظانّين أن ربيع السلام قد أقبل أخيرًا، وأن بوابات المستقبل قد فُتحت لعهد جديد. لكن خيباتنا في هذه البلاد لا تمهلنا طويلًا؛ إذ لم تمر سوى سنتين حتى اندفع النظام السابق نحو مغامرة أخرى باحتلال الكويت، لتبدأ مصائب تفوق في قسوتها كل ما جرّبناه سابقًا. ومع اندلاع الانتفاضة الكوردية في ربيع عام 1991، وتراجع الجيش عقب هزيمته أمام قوات التحالف الدولي، تحررت المدن الكوردية على أيدي قوات البيشمركة. غير أن محاولات القوات الحكومية لاستعادتها بعد أيام حوّلت حياتنا إلى جحيم متجدد.

قضينا شهر رمضان المبارك في ذلك العام محبوسين داخل ملجأ البيت المظلم، نستمع بقلوب واجفة إلى دوي قذائف المدفعية وهي تتساقط على أطراف المدينة، بينما كانت جموع غفيرة من السكان تنزح ذعراً هرباً من القصف والبطش المتوقع.

ولم تتوقف المعاناة عند هذا الحد، بل تلتها أحداث أكثر ألمًا؛ إذ بدأنا نتحسر على رغيف الخبز وقطرة الوقود بعد فرض الحصار الاقتصادي الدولي الخانق على العراق، لنعيش في عزلة تامة حرمتنا من عيش طفولة طبيعية كبقية أطفال العالم، أو شباب مفعم بالأمل، بل كانت حياتنا عبارة عن سلسلة متواصلة من الأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية الطاحنة.

في ربيع عام 2003، ومع سقوط النظام السابق وخروج العراق من عزلته الطويلة، تفاءلنا خيراً وظننا أن البلاد ستتجه أخيراً نحو غدٍ أفضل، لكننا لم نكن نعلم ما يخبئه لنا القدر في جعبته من فصول جديدة ومفاجآت قاسية. وها نحن اليوم، بعد أكثر من عقدين من الصراعات والمشاكل السياسية والاقتصادية المستمرة، نستقبل كل يوم الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية الإيرانية التي بدأت تستهدف ربوع إقليم كوردستان بأعذار واهية، في وقت تتواجد فيه القوات الأجنبية بموجب اتفاقيات رسمية مع الحكومة الاتحادية.

وكأن قدرنا بعد كل هذه السنين الطويلة والآلام المريرة، هو أن نروي لأبنائنا وأحفادنا كيف أصبح قصف أربيل بالمسيرات المفخخة والصواريخ واقعاً يومياً، وإرثاً ثقيلاً كُتب علينا أن نتوارثه جيلاً بعد جيل. نربت على أكتاف الصغار الخائفين، ونقول لهم بمرارة مغلّفة بالصبر: (لا تخافوا.. فهذا قدرنا الأبدي، أن نغفو ونستيقظ على ترانيم النار وأصوات المتفجرات).

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours