التسوية مع الفاسدين… طريقٌ إلى هلاك الأمم وسقوط هيبة الدولة

نمتار / د. عبد الوهاب العاني

أثار الحديث عن اعتماد مبدأ “التسوية” في بعض ملفات الفساد نقاشًا واسعًا بين مؤيد يراه وسيلة لاسترداد الأموال العامة، ومعارض يرى أنه قد يضعف مبدأ المحاسبة ويقوض هيبة القانون.

وفي هذا السياق، تبرز جملة من الاعتبارات الشرعية والقانونية التي تستحق الوقوف عندها.

إن مبدأ “التسوية” المقترح الذي سيتعامل به رئيس الوزراء مع ملفات الفساد، إذا كان يعني إعفاء المتورطين من العقوبة مقابل إعادة جزء من الأموال أو عقد تسويات معهم، فإنه ينافي المبادئ الشرعية التي لا تتهاون في حماية الحقوق العامة وإقامة العدل، كما ينافي المبادئ القانونية التي شُرعت العقوبات فيها لتكون زاجرة للجاني ورادعة لغيره.

فالشرع الإسلامي لم يجعل العدالة قابلة للمساومة، ولم يفتح باب المحاباة في إقامة الحقوق العامة بعد ثبوتها، ولذلك قال النبي ﷺ لأسامة بن زيد عندما شفع في شأن المرأة المخزومية: «أتشفع في حد من حدود الله؟»، ثم قرر القاعدة الخالدة التي لا تسقط بالتقادم: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». والمقصود من هذا الحديث هو ترسيخ مبدأ المساواة أمام العدالة، ورفض التمييز في تطبيقها، وأن النفوذ أو المكانة لا يجوز أن يكونا سببًا للإفلات من المحاسبة. إن انهيار الأمم يبدأ عندما يصبح أصحاب السلطة والجاه بمنأى عن المساءلة.

ومن جهة القانون، فإن العقوبات لم تُشرع لمجرد استرداد الأموال، وإنما لتحقيق الردع العام والخاص، وحماية المجتمع، وصيانة المال العام، وترسيخ الثقة بسيادة القانون. أما إذا شعر الفاسد أن أقصى ما يمكن أن يواجهه هو إعادة جزء مما استولى عليه، فإن الفساد يتحول إلى مشروع قليل المخاطر كثير الأرباح، وتصبح الجريمة استثمارًا مضمونًا لا يُخشى عاقبته.

إن مبدأ التسوية ومسامحة الجناة ليس حقًا خاصًا يرتبط بشخص الوزير أو رئيس الوزراء، وإنما هو حق للشعب العراقي بأسره، لأن المال العام ليس ملكًا لمسؤول حتى يتنازل عنه أو يعقد بشأنه تسويات من تلقاء نفسه، بل هو ملك لجميع العراقيين، والأجيال القادمة شريكة فيه، وأي تصرف فيه يجب أن يكون ضمن الأطر الدستورية والقانونية التي تكفل حفظ حقوق الدولة والمجتمع وتحقيق العدالة،

كما أن فتح باب التسويات بهذه الصورة يجرئ ضعاف النفوس على معاودة السرقات والاعتداء على المال العام، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن الفساد لا يترتب عليه سوى إعادة جزء من الأموال عند انكشاف الأمر، وهو ما يضعف هيبة الدولة ويهدم فلسفة العقوبة التي تقوم على الردع قبل العقاب.

إن الشعوب لا تفقد ثقتها بالدولة بسبب الفقر وحده، وإنما تفقدها عندما ترى أن القانون يشتد على الضعيف، ويلين أمام أصحاب النفوذ والسلطة والمال. وعندها يصبح الفساد ثقافة، ويغدو الإفلات من العقاب هو القاعدة، وتكون النتيجة مزيدًا من هدر الثروات، وتراجع هيبة الدولة، واتساع الفجوة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

وهذا كله ينذر بعواقب خطيرة على المجتمع والدولة، ويستحضر التحذير النبوي الخالد: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». فالأمم لا تهلك فقط بعقوبات السماء، بل قد يكون هلاكها أيضًا بانهيار منظومة العدل، وانتشار الظلم، وضياع الحقوق، حتى يصبح الفساد أمرًا مألوفًا لا يُستنكر، والمفسد بمنأى عن المحاسبة.

إن استرداد الأموال المنهوبة واجب لا خلاف عليه، لكنه لا يغني عن محاسبة من نهبها. فالدولة التي تستعيد المال وتترك الجاني دون مساءلة قد تسترد شيئًا من خزائنها اليوم، لكنها تخسر هيبة قانونها غدًا. أما الدولة التي تجمع بين استرداد الحقوق وإنفاذ العدالة، فهي وحدها التي ترسخ الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتحمي المال العام، وتصون مستقبل الأجيال.

إن العراق اليوم لا يحتاج إلى تسويات مع الفاسدين بقدر ما يحتاج إلى عدالة لا تعرف المحاباة، وقضاء يطبق القانون على الجميع، واسترداد كامل للأموال المنهوبة مع محاسبة كل من تورط في الاعتداء على المال العام، أيًا كان منصبه أو انتماؤه. فالعدل هو أساس بقاء الدول، أما التساهل مع الفساد فلا يصنع إلا مزيدًا من الفساد، ولا يورث إلا ضعف الدولة وضياع هيبتها وثقة شعبها.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours