كاندينسكي*.. الـفنان الذي رأى الألوان بأذنيه

 نمتار / المعمار علاء معن

حين تتجلى امام ناظريك لوحة تجريدية للفنان “فاسيلي كاندينسكي”، لا تبحث في طياتها عن شجر يتمايل أو وجوه تروي حكاية، فكاندينسكي لم يكن يقتنص الظلال، بل راح  يصطاد الأنغام،كان الرجل قد عاش  في عالم تذوب فيه الحدود بين الحواس، حيث تتراقص الالوان على إيقاعات غير مرئية، وتتحول ضربات فرشاته إلى نوتات موسيقية تعزفها مخيلته.

ارتبط أسم كاندينسكي بحالة عصبية وذهنية نادرة تدعى “تداخل الحواس -السينستيزيا” تمنح صاحبها قدرة فائقة على تخيّل الصوت لوناً، واللون نغمة مترددة في أذنه. سواء كان هذا التداخل لدى كاندينسكي حالة طبية وراثية، أو استعارة فلسفية عميقة، فالنتيجة واحدة،من حيث العين ليست سوى بوابة، وأن اللوحة الحقيقية هي تلك التي تعزف ألحانها مباشرة داخل الروح.آمن كاندينسكي بأن الموسيقى بأعتبارها موضوعا هي ارقى الفنون تجردا، ومن هذا الإيمان، ولدت ثورته الفنية. فجعل من اللون نغما، ومن الشكل آلة، ومن تكوين اللوحة توزيعا أوركسترالياً دقيقاً. لذا لم تكن أعماله مجرد صور، بل شاءت ان تتنفس إيقاعاً ملهماً.لقد كان لدى كاندينسكي هوية صوتية لكل لون؛ الأصفر صرخة حادة مفعمة بوهج الحركة، والأزرق صوت يسحبنا نحو السكون والتأمل، والأحمر نبض  أصوات قوية متأججة بالحيوية.

اما الأشكال، فقد كانت إيقاعاته؛ الدائرة هدوء لا متناه ، المثلث توتر حركي متصاعد، والمربع استقرارٌ يمنح الإيقاع توازنه.

ننصت هنا إلى لوحة كاندينسكي الشهيرة ” التكوين الثامن” التي رسمها في عام 1923 لنستمع الى حوار موسيقي معقد؛ الدوائر تبدو كأنها قرعٌ خفيف على “الطبول” في خلفية موسيقية، تمنح اللوحة ثباتا وهدوءاً، والخطوط المتقاطعة تظهر كأنها ضربات “البيانو” تخلق توترا بصريا يشدك نحوها والخطوط الأخرى كأنها نغمات أوتار “الكمان” تتأرجح صعودا ونزولا، اما التداخل اللوني حين يقترب اللونان الأصفر والأحمر من الأسود بحذر، تشعر بتنافر موسيقي يثير انتباهك، بينما المساحات الزرقاء تعمل كخلفية إيقاعية توازن فوضى الأشكال. في هذه اللوحة لا ترى كاندينسكي يرسم بل تراه يقود اوركسترا من الاشكال التي تتناغم وتتقاطع لتخلق “مقطوعة موسيقية” تعيش في فضاء اللوحة.

رفض كاندينسكي ان تكون اللوحة تجسيد لعالم خارجي، فالحصان والشجرة وغيرها من الهيئات قيود تمنع الروح من التحليق. لقد حرر اللون من مهامه الوظيفية، فصار الأحمر لوناً لذاته، لا لونا يجسّد دماً او زهرة، فهو لا يقلّد الطبيعة بل يستنطق ماتخفيه ارواحنا.

لقد غيّر كاندينسكي بوصلة الفن، فلم نعد نسأل ماذا تمثّل اللوحة؟، بل صرنا نسأل ماذا نستمع من لحن يفعل فعله فينا؟

بعد قرن من الزمان، ما زالت لوحاته لا تطلب من المتلقي إدراكاً ذهنيا بل تدعوه إلى الاصغاء البصري، ليرى الالوان تتراقص، ويسمع الصمت وهو يعزف ألحانه في قاعات العرض الفنية.

*فاسيلي كاندينسكي: رسام روسي (1866-1944) اشتهر في مجال الفن التجريدي

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours