مكتبة نمتار الذكية : هسهسات الضوء لعبد الحسين شعبان  : مرايا الذاكرة العراقية في مرايا الانكسار والتأويل

نمتار / ياس خضير البياتي

في كتابه “هسهسات الضوء: في أنطولوجيا الثقافة العراقية”، الصادر عن دار النهار اللبنانية، لا يكتب المفكر د. عبد الحسين شعبان عن الثقافة، بل يكتب الثقافة وهي تفكّر بنفسها. لا يؤرّخ لأربعين اسمًا، بل يفتح نافذةً على ما تبقّى من الضوء في ذاكرةٍ مثقوبة بالتاريخ، ويجعل من السيرة تمرينًا على استعادة السؤال: من نحن حين لا يبقى منا سوى الأثر؟

ليس الكتاب أرشيفًا، ولا سجلًّا للأسماء، بل محاولة لإعادة اختراع الذاكرة، لا كما كانت، بل كما كان يمكن لها أن تكون. هنا، لا تُعرض الشخصيات بوصفها “ماضياً”، بل بوصفها شظايا من معنى لم يكتمل، أو حيوات عالقة بين ما قيل وما لم يُقل.

منذ الجملة الأولى، ينفتح النص على جملةٍ تبدو كأنها خرجت من حقلٍ فلسفيّ يتقاطع فيه الشعر مع الميتافيزيقا: “هنا الوردة، فلنرقص هنا.”لكن الوردة ليست وردة، والرقص ليس حركة. إنهما استعارتان لوجودٍ يحاول أن لا يسقط في العدم. فالوردة، في هذا السياق، ليست جمالًا، بل هشاشة الجمال. والرقص ليس احتفالًا، بل مقاومة للسقوط. هكذا يدخل القارئ إلى نصٍّ لا يشرح، بل يُربك؛ لا يصف، بل يزعزع اليقين.

الوردة بوصفها سؤالًا فلسفيًا

في الاستهلال، تستدعي الوردة جغرافياتٍ بعيدة تمتد من عوالم كارل ماركس وجورج فيلهلم فريدريش هيغل إلى أومبرتو إيكو، مرورًا بطبقات كثيفة من الرمزية التي تتداخل فيها الفلسفة بالأسطورة. غير أن الوردة هنا لا تعود ملكًا لأحد، ولا تستقر في دلالة واحدة؛ إذ تفقد هويتها المباشرة لتتحول إلى علامةٍ مفتوحة على ما يتجاوز المعنى الظاهر، وإلى استعارةٍ للبحث الإنساني الدائم عن الحقيقة والجمال والحرية في مواجهة الخراب والنسيان.

الوردة ليست شيئًا نراه، بل ما يجعل الرؤية ممكنة ومهددة في آن. إنها أثر الجمال حين يمرّ في منطقة العنف، وبقايا المعنى حين يمرّ في قلب الخراب. أما “رودس”، الجزيرة التي تعني الوردة، فهي ليست مكانًا، بل استعارة للوجود نفسه: وجودٌ معلّق بين البحر والريح، بين الثبات والزوال، بين ما يُقال وما يتبخر في القول. في هذا الفضاء، لا يعود النص خطابًا، بل يصبح حركة تفكير داخل اللغة نفسها.

لا يكتب شعبان سيرًا، بل يفكك فكرة السيرة. فالسيرة، كما تبدو في ظاهرها، نظام ترتيب، لكن في باطنها فوضى التجربة. الشخصيات الأربعون ليست “نماذج”، بل تجليات لزمنٍ عراقي متشظٍ، يتقاطع فيه السياسي بالشعري، والمثقف بالمنفي، والذاكرة بالندبة.

هنا لا نجد “أحمد الحبوبي” بوصفه اسمًا، بل بوصفه جرحًا يكتب نفسه. ولا نجد “السياب” بوصفه شاعرًا، بل بوصفه نهرًا من الغياب. ولا نجد “الجواهري” بوصفه رمزًا، بل بوصفه صراعًا بين اللغة والتاريخ. الكتاب لا يُعيد إنتاج الأشخاص، بل يُعيد تفكيكهم، ثم يتركهم معلقين بين الضوء والظل، كأنهم لم يكتملوا بعد.

قراءة في بعض الشخصيات

يتجاوز الكتاب حدود الترجمة إلى ما يشبه “الفلسفة السياسية للسيرة”. فالشخصيات ليست معزولة عن سياقها، بل هي نتاج صراعات السلطة، والحزب، والحرب، والمؤسسة. الكتابة هنا لا تبحث عن “الحقيقة” بوصفها يقينًا، بل بوصفها طبقات من الرواية المتصارعة. كل شخصية هي وجه من وجوه العراق المتعدد، المتشظي، الذي لا يمكن اختزاله في سردية واحدة. وهنا يكمن جوهر المشروع: تفكيك “السردية الرسمية” وإعادة بناء سردية الإنسان.

في قراءة السياب، لا يظهر الشاعر بوصفه مؤسس الحداثة الشعرية فقط، بل بوصفه جسدًا هشًا للمنفى الداخلي. المطر عنده ليس ظاهرة طبيعية، بل بكاء كوني، واعتراف بأن العالم لم يعد صالحًا للطمأنينة، فهو لا يقرأ السياب شاعرًا فقط، بل يقرأه ككائن مأزوم بين جسد مريض ولغة تحاول أن تنقذه. هنا تتحول “أنشودة المطر” إلى نص عن الانكسار الكوني، لا عن الأمل كما يُشاع. السياب في هذا التأويل ليس شاعر القرية، بل شاعر الخراب الداخلي للعالم.

اما الجواهري في الكتاب ليس شاعرًا تقليديًا، بل سلطة لغوية موازية للدولة. قصيدته ليست خطابًا جماليًا فقط، بل موقف سياسي ممتد. فهو يقرأ الجواهري بوصفه شاعرًا لم يغادر السياسة حتى حين غادرها الآخرون. لغته ليست زخرفًا بل سيفًا رمزيًا، يقطع به المسافة بين السلطة والمعارضة، بين الوطن والمنفى. الجواهري هنا هو صوت العراق حين يفقد صوته الرسمي.

بينما يظهر علي الوردي في الكتاب كـ مشرط سوسيولوجي شجاع، يفتح الجسد الاجتماعي العراقي دون خوف من الألم. ليس مفكرًا يشرح المجتمع، بل من يفككه أمامه. وهنا المؤلف يقدمه بوصفه من كشف “ازدواج الشخصية العراقية”، ذلك التمزق بين البداوة والحضارة، بين القول والفعل، بين المقدس واليومي. وفي هذا السياق ليس عالم اجتماع فقط، بل ناقد للوعي الجمعي، ومزلزل للمسلمات التي تحولت إلى أقفاص فكرية.

وفي شخصية الحبوبي، يتحول السرد إلى محكمة أخلاقية للتاريخ. “ليلة الهرير” ليست مجرد واقعة سياسية، بل اختبار للضمير. فهو عند شعبان ليس شاهدًا على العنف فقط، بل شاهدًا عليه وعلى إمكانية تجاوزه. اعتذاره للعراق يتحول إلى فعل فلسفي: الاعتراف لا يبرئ الماضي، لكنه يفتح نافذة صغيرة على معنى العدالة. هنا يصبح المثقف كائنًا أخلاقيًا، لا مجرد شاهد محايد.

وفي قراءة سمعان، ينفصل المثقف عن التنظيم، ويعود إلى جوهره الأول: الضمير. شعبان لا يقدمه كمناضل فقط، بل ككائن حاول أن يبقى حرًا داخل بنى مغلقة. هنا تتجلى فكرة “المثقف العابر للحدود الأيديولوجية”، الذي لا ينتمي إلا إلى الحقيقة المؤقتة، لا إلى العقيدة الدائمة. إنها سيرة مقاومة ضد التسييس الكامل للإنسان. بلند عند شعبان ليس مجرد شاعر تجديد، بل وعي يكتب ارتباكه الخاص.

ولا يتوقف شعبان عند الأسماء الكبرى التي رسخت حضورها في الوعي الثقافي العراقي، بل يذهب إلى شخصيات صنعت أثرها بصمت أو دفعت أثمانًا باهظة لمواقفها الفكرية. ففي تناوله لأبي كاطع، لا يقرأ الكاتب مجرد ساخر سياسي أو روائي شعبي، بل يقرأ ضميرًا اجتماعيًا ظل يقاوم القهر بالسخرية. كانت اللغة عند أبي كاطع ملاذًا للفقراء والمهمشين، وكانت المفارقة لديه شكلًا من أشكال المقاومة. لذلك يبدو في الكتاب وكأنه شاهد على عصر كامل أكثر من كونه كاتبًا ينتمي إلى مرحلة بعينها.

أما أحمد الصافي النجفي فيظهر بوصفه شاعر التمرد والاغتراب المبكر، ذلك الذي عاش حياته بين الفقر والكبرياء، وبين الحلم والخذلان. لا يقدمه شعبان كشاعر تقليدي، بل ككائن شعري عاش خارج التصنيفات، وجعل من حياته امتدادًا لقصيدته، ومن قصيدته امتدادًا لمأساته الإنسانية.

حين تتحول الثقافة إلى ساحة صراع

الكتاب لا يكتفي بالأفراد، بل يكشف البنية التي تحكمهم: الدولة، الحزب، الطائفة، والمنفى. الثقافة العراقية، كما تظهر في النص، ليست فضاء حرًا، بل حقل ألغام رمزي. المثقف يتحرك فيه بين التهديد والتهميش، بين الاعتراف والإقصاء. شعبان يكتب ضد تحويل الثقافة إلى وظيفة سياسية، وضد تذويب الفرد في الجماعة الأيديولوجية.

ما يجعل هذا العمل مختلفًا هو تلك المسافة الغريبة بين القرب والقراءة. فالمؤلف يكتب من داخل التجربة، لكنه لا يسقط فيها. هو قريب من الشخصيات، لكنه لا يستسلم لدفئها. إنها “حميمية نقدية”: أن تكتب عن الآخر كما لو أنك تكتب عن نفسك، لكن دون أن تغفر لنفسك شيئًا. في هذا السياق، تتحول الكتابة إلى مساءلة مزدوجة: مساءلة الذاكرة، ومساءلة الذات التي تتذكر.

الأنطولوجيا بوصفها مقاومة ضد التصنيف

الأنطولوجيا في هذا الكتاب ليست علمًا للوجود، بل مقاومة لفكرة التصنيف. فالتصنيف هو أول أشكال العنف الرمزي. حين نصنف، نقتل الغموض. وحين نؤطر، نختزل الحياة. لكن شعبان يقاوم هذا الاختزال عبر إعادة فتح المعنى، لا إغلاقه.

لذلك تصبح الشخصيات أسئلة لا إجابات. تصبح الذاكرة مجالًا للصراع، لا أرشيفًا للمصالحة. إنه يكتب ضد فكرة “الاكتمال”، ضد فكرة أن التاريخ يمكن أن يُروى بشكل نهائي. في مقاطع السياب، يتحول النص إلى قصيدة نقدية.

السياب ليس شاعرًا فقط، بل حالة وجودية: جسد يكتب المطر، ومطر يكتب الجسد. الاغتراب هنا ليس حالة اجتماعية، بل بنية كونية. فالشاعر، في قراءة شعبان، ليس منفيًا عن المكان، بل منفيّ عن المعنى. “أنشودة المطر” ليست قصيدة، بل بكاء العالم على نفسه. والسياب ليس ضحية، بل شاهد على انهيار التوازن بين اللغة والوجود.

الذاكرة بوصفها كائنًا حيًا

في “هسهسات الضوء”، الذاكرة ليست مستودعًا، بل كائنًا يتنفس. إنها تتغير، تنسى، تعيد الاختراع. وهذا ما يجعل الكتاب أقرب إلى “أنثروبولوجيا الوجدان”، حيث لا يُدرس الإنسان بوصفه فردًا، بل بوصفه أثرًا داخل شبكة من العلاقات الرمزية. الذاكرة هنا ليست ماضيًا، بل حاضرًا لا ينتهي.

الكتابة عند شعبان ليست توثيقًا، بل محاولة لإنقاذ ما لم يعد قابلًا للإنقاذ. لكن هذا الإنقاذ ليس خلاصًا، بل استمرار للسؤال. فكل شخصية تُكتب، تُعاد إلى الحياة، ثم تُترك معلّقة بين الحضور والغياب. وهذا ما يجعل النص مفتوحًا، غير مكتمل، مقاومًا للإغلاق.

في العمق، لا يكتب الكتاب عن الثقافة فقط، بل عن العلاقة بين الجمال والسياسة. فالجمال، هنا، ليس زينة، بل موقف. أن تكتب عن الوردة في بلدٍ مكسور، يعني أن تعيد تعريف معنى المقاومة. وأن تجعل من الذاكرة نصًا جماليًا، يعني أن تنقذها من التحول إلى أداة سلطة.

في النهاية، ما يمنح الكتاب فرادته أن مؤلفه ليس مراقبًا خارجيًا للأحداث والشخصيات، بل جزء من تاريخها وسياقاتها. فقد عرف كثيرًا من هذه الشخصيات عن قرب، وعاش معها محطات من الحوار أو الاختلاف أو الصداقة أو العمل المشترك.

ولذلك جاءت نصوصه مشبعة بحرارة التجربة الإنسانية، لكنها لم تفقد مسافتها النقدية. فهو لا يكتب المديح، ولا يمارس التبجيل، بل يحاول أن يعيد بناء الإنسان خلف الاسم، والضعف خلف البطولة، والتردد خلف اليقين. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب؛ إذ يتحول من سجل للأعلام إلى شهادة على عصر كامل من التحولات العراقية.

لا يقدم “هسهسات الضوء” إجابات، بل يتركنا أمام مرايا متعددة، كل مرآة تقول شيئًا مختلفًا عن العراق، عن المثقف، عن التاريخ، عن اللغة. وحين نغلق الكتاب لا نخرج منه، بل يظل مفتوحًا في داخلنا كهمسٍ بعيد، يذكّرنا بأن الثقافة ليست ما نكتبه عن الحياة، بل ما يبقى حيًّا بعد أن تنطفئ الكلمات. وهكذا تظل “هسهسات الضوء” دعوةً إلى أن نرقص، لا فوق الأرض وحدها، بل فوق ما تبقّى من المعنى، وما تبقّى من العراق في أرواح أبنائه..

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours