نمتار / بيروت / جورج منصور
منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة جديدة من تاريخه السياسي، حملت معها آمالاً واسعة ببناء دولة ديمقراطية حديثة قادرة على تعويض عقود طويلة من الحروب والعقوبات والاضطرابات. وكان العراقيون يتطلعون إلى قيام نظام سياسي يرسخ دولة المؤسسات والقانون، ويحقق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويعيد إعمار ما دمرته الصراعات المتعاقبة.
إلا أن الواقع الذي تبلور خلال أكثر من عقدين جاء مختلفاً عن تلك التطلعات. فبدلاً من أن تتجه الدولة نحو ترسيخ أسس الحكم الرشيد، برزت تحديات معقدة تمثلت في نظام المحاصصة السياسية والطائفية، وتفشي الفساد المالي والإداري، وضعف المؤسسات الرقابية، وتراجع الخدمات العامة، وتعثر مشاريع التنمية والبنية التحتية، رغم العائدات النفطية الضخمة التي دخلت خزينة الدولة خلال هذه السنوات.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، يبرز سؤال مهم يفرض نفسه على المشهد العراقي: هل يمكن أن يشهد العراق انفراجاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً إذا نجحت الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق سلام شامل ينهي عقوداً من التوتر والصراع بينهما؟
لا يختلف اثنان على أن العراق كان خلال السنوات الماضية أحد أهم ميادين التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وطهران. فمنذ سقوط النظام السابق أصبح البلد جزءاً أساسياً من معادلات النفوذ الإقليمي، وتأثرت سياساته الداخلية بدرجات متفاوتة بالتوازنات والصراعات بين القوتين. وقد انعكس هذا الواقع على المشهد السياسي والأمني العراقي بصورة مباشرة وغير مباشرة، حتى بدا العراق في كثير من الأحيان وكأنه ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية أكثر من كونه دولة قادرة على صياغة سياساتها باستقلالية كاملة.
وقد أسهم هذا التنافس في تعقيد عملية بناء الدولة العراقية، وأدى إلى تشابك الولاءات والمصالح، كما أضعف قدرة الحكومات المتعاقبة على اتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة عن تأثيرات الاستقطاب الخارجي. ولذلك فإن أي تقارب حقيقي بين الولايات المتحدة وإيران قد يخفف من حدة الضغوط التي تعرض لها العراق خلال السنوات الماضية.
وفي حال تحقق اتفاق سلام مستدام بين الطرفين، فإن أولى النتائج المحتملة ستكون انخفاض مستوى التوتر السياسي والعسكري في المنطقة. ومن شأن ذلك أن يقلل من احتمالات المواجهات غير المباشرة والصراعات بالوكالة، ويحد من استخدام الساحة العراقية لتبادل الرسائل السياسية والأمنية بين القوى المتنافسة.
كما أن تراجع التوتر الإقليمي قد يمنح الحكومة العراقية مساحة أوسع للتحرك وفق أولوياتها الوطنية، ويساعد على تعزيز الاستقرار الأمني الذي يعد شرطاً أساسياً لأي عملية تنموية أو اقتصادية ناجحة. فالاستقرار لا يجذب المستثمرين فحسب، بل يخلق أيضاً بيئة أكثر ملاءمة لتخطيط المشاريع طويلة الأمد وتنفيذها.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يفتح أي اتفاق شامل آفاقاً جديدة أمام العراق. فاستقرار المنطقة سيشجع الشركات الدولية على زيادة استثماراتها في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والاتصالات والبنية التحتية. كما قد يساهم في تعزيز حركة التجارة الإقليمية وتحسين فرص التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة، الأمر الذي يمكن أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد العراقي الذي يمتلك إمكانات كبيرة ما زالت غير مستغلة بالشكل المطلوب.
غير أن ربط مستقبل العراق بالكامل بمصير العلاقات الأمريكية الإيرانية يبقى تبسيطاً لمشكلة أكثر تعقيداً. فالأزمة العراقية ليست نتاج العوامل الخارجية وحدها، بل إن جذورها الحقيقية تمتد إلى الداخل العراقي نفسه. وخلال أكثر من عشرين عاماً تراكمت أزمات الفساد وسوء الإدارة وضعف التخطيط وغياب المساءلة، حتى أصبحت تشكل عائقاً أساسياً أمام أي عملية إصلاح أو تنمية.
فالمحاصصة السياسية التي نشأت بوصفها آلية لإدارة التوازنات تحولت تدريجياً إلى نظام لتقاسم النفوذ والمناصب، وغالباً ما جرى تقديم الولاءات الحزبية على الكفاءة والخبرة. كما أن قطاعات حيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل والإسكان ما زالت تعاني من مشكلات مزمنة رغم الموازنات الضخمة التي خصصت لها عبر السنوات.
ومن هنا فإن أي انفراج ناتج عن اتفاق أمريكي إيراني لن ينعكس تلقائياً على حياة المواطن العراقي ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية جادة وشاملة. فالمواطن الذي يعاني من البطالة وضعف الخدمات وارتفاع نسب الفقر لا ينتظر فقط نهاية التوترات الإقليمية، بل ينتظر دولة قادرة على إدارة ثرواته بكفاءة، وتوفير الخدمات الأساسية، وضمان العدالة وتكافؤ الفرص.
إن تحسين أوضاع العراقيين يتطلب قبل كل شيء مواجهة حقيقية للفساد بكل أشكاله، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية، وإعادة بناء الإدارة العامة على أسس مهنية بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات. كما يتطلب إطلاق مشاريع تنموية استراتيجية تعالج التدهور الكبير في البنية التحتية، وتوفر فرص عمل مستدامة للشباب الذين يشكلون النسبة الأكبر من المجتمع.
كذلك يحتاج العراق إلى رؤية اقتصادية طويلة الأمد تنهي الاعتماد شبه الكامل على النفط بوصفه المصدر الرئيسي للدخل الوطني. فالدول التي تحقق الاستقرار والازدهار هي تلك التي تنوع اقتصاداتها وتستثمر في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والتعليم والموارد البشرية. والعراق يمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهله ليكون قوة اقتصادية مؤثرة إذا أحسن استثمار موارده.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن السلام الخارجي لا يصنع الازدهار تلقائياً، بل يوفر البيئة المناسبة للإصلاح. أما النجاح الحقيقي فيبقى رهناً بوجود إرادة سياسية وطنية قادرة على اتخاذ قرارات جريئة تضع مصلحة الدولة فوق المصالح الحزبية والفئوية الضيقة.
إن العراقيين لا ينتظرون فقط هدوء الصراعات الإقليمية، بل يتطلعون إلى نهاية حقبة طويلة من الهدر والفساد وسوء الإدارة. إنهم ينتظرون دولة توفر الكهرباء والماء الصالح للشرب والتعليم الجيد والرعاية الصحية وفرص العمل، وتحفظ كرامة المواطن وتصون حقوقه وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.
لذلك يمكن القول إن أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، إذا تحقق، قد يشكل فرصة تاريخية مهمة للعراق للتخفف من أعباء الصراعات الإقليمية واستعادة جزء من استقلالية قراره الوطني. لكنه سيبقى مجرد فرصة، وليس حلاً سحرياً لجميع المشكلات المتراكمة.
فالانفراج الحقيقي لن يأتي من العواصم الخارجية وحدها، بل سيولد أولاً من داخل العراق نفسه، عندما تتوافر الإرادة السياسية لبناء دولة المؤسسات والقانون، وعندما تصبح المواطنة أساس العلاقة بين الدولة وأبنائها، وعندما تتحول ثروات البلاد إلى أدوات للتنمية والازدهار بدلاً من أن تكون مجالاً للصراع والتنافس على النفوذ.
ومن الضروري التأكيد أن أي فرصة قد تنشأ عن تقارب أمريكي ـ إيراني لن تؤتي ثمارها ما لم تقترن بوقف جميع أشكال التدخلات الإقليمية والدولية في الشأن العراقي، واحترام سيادة العراق وحقه في اتخاذ قراراته الوطنية بعيداً عن الضغوط والاستقطابات الخارجية. فقد عانى العراق طويلاً من تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل بين القوى المتنافسة، الأمر الذي استنزف موارده وأضعف مؤسساته وأعاق مسيرة بنائه واستقراره.
إن المصلحة الوطنية العراقية تقتضي إنهاء سياسة تجيير العراق لخدمة مصالح الآخرين أو استخدام أراضيه وإمكاناته ضمن مشاريع ومحاور إقليمية لا تنسجم بالضرورة مع أولويات شعبه واحتياجاته. فالعراق بحاجة إلى سياسة خارجية متوازنة تقوم على مبدأ المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم الانحياز إلى الصراعات، بما يضمن حماية سيادته وتعزيز دوره كدولة مستقلة تسعى إلى بناء علاقات إيجابية مع جميع الأطراف دون أن تكون جزءاً من نزاعاتهم أو امتداداً لنفوذهم.
عندها فقط يمكن للعراقيين أن يشعروا بأن سنوات المعاناة الطويلة لم تذهب هدراً، وأن المستقبل قد يحمل أخيراً ما حرموا منه طويلاً: الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية والحياة الكريمة. فمستقبل العراق لن تحدده الاتفاقيات الدولية وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل سيحدده بالدرجة الأولى وعي شعبه، ونضج طبقته السياسية، وقدرتهما معاً على بناء دولة سيدة مستقلة القرار، تحمي مصالح مواطنيها وتضعها فوق كل اعتبار، وتنتقل من مرحلة المحاصصة والصراع والتبعية إلى مرحلة الدولة الحديثة والمؤسسات الراسخة.
وعندما يصبح القرار العراقي نابعاً من الإرادة الوطنية الحرة، وعندما تتوقف التدخلات الخارجية ويُعاد توجيه موارد البلاد لخدمة التنمية والإنسان، سيكون العراق أكثر قدرة على استثمار أي فرصة إقليمية أو دولية وتحويلها إلى إنجاز حقيقي ينعكس على حياة مواطنيه ومستقبل أجياله.




+ There are no comments
Add yours