الطعن في جذور النخيل

نمتار / بقلم: حامد الضبياني

ثمة رجال لا يملكون وطناً فيبحثون عن عدو، ولا يملكون مشروعاً فيفتشون عن متهم، ولا يملكون تاريخاً يرفع رؤوسهم فيحاولون خفض رؤوس الآخرين. وحين يعجزون عن بناء جدار واحد في مدينة متعبة، يقررون هدم ألف عام من ذاكرة أمة بكلمة عابرة، كأن الحضارات يمكن أن تُختزل في شتيمة، وكأن الشعوب يمكن أن تُحاكم بتهمة جماعية كتبها الغضب ووقّعها الجهل.ما أسهل أن يقف رجل فوق أنقاض العراق ويشير بإصبعه إلى ملايين البشر قائلاً: أنتم سبب الخراب.

وما أصعب أن يقف أمام المرآة ليرى من الذي أوصل البلاد إلى هذا الركام. فالذي يتهم أمة كاملة بالإرهاب لا يدرك أنه يعلن إفلاسه الفكري قبل أن يوجه اتهامه، لأن الأمم لا تُقاس بأخطاء بعض أبنائها، وإلا لما بقي على وجه الأرض شعب واحد يستحق الحياة.

أيها السادة، قبل أن ترفعوا أصابع الاتهام، افتحوا دفاتر التاريخ جيداً.انظروا إلى بغداد يوم كانت عاصمة الدنيا، يوم كانت قوافل العلم تفد إليها من أطراف الأرض كما تفد الأنهار إلى البحر. انظروا إلى المكتبات التي أضاءت عصور الظلام، وإلى المدارس التي أنجبت الفقهاء والأطباء والفلاسفة واللغويين، وإلى المدن التي كانت تكتب أسماءها بالحبر فيما كانت أمم أخرى تكتب أسماءها بالرماد. من الذي صنع ذلك كله؟ ومن الذي حمل راية الحضارة حين كانت المعرفة هي العملة الأغلى في العالم؟.. العراق لم يكن يوماً جثة عثروا عليها في الطريق، ولم يكن أرضاً بلا آباء. العراق بناه رجال حرثوا الصحراء فأنبتت مدناً، وحولوا ضفاف الأنهار إلى مرافئ للحضارة، وصنعوا من اللغة إمبراطورية ومن الفكر منارة ومن الدولة هيبة. وحين كانت الأمم تتصارع على البقاء كان العراقيون يكتبون في الفلك والطب والفلسفة والشعر والقانون.أما الذين يحاكمون الناس اليوم على هوياتهم، فإنهم يشبهون قاضياً أعمى يحرق المحكمة لأنه لم يجد دليلاً. إنهم لا يناقشون التاريخ، بل ينتقمون منه. ولا يقرؤون الوقائع، بل يفتشون عن ثأر قديم يدفنونه في صدور الأجيال الجديدة. ولهذا فإن اتهام أمة كاملة ليس موقفاً سياسياً، بل إعلان حرب على العقل نفسه.فمن أنت حتى تحاكم ملايين البشر؟ ومن أعطاك حق توزيع الوطنية كما توزع الغنائم؟ ومن خوّلك أن تضع شعباً كاملاً في قفص الاتهام ثم تنصب نفسك قاضياً وجلاداً وشاهداً في آن واحد؟.. إن الأوطان التي تبنى بالكراهية لا تعيش، والتاريخ الذي يكتب بالحقد لا يبقى، أما العراق فكان وسيبقى أكبر من خطابات العابرين، لأن الأمم العظيمة لا يسقطها كلام، كما لا ترفعها شعارات. إنها تبقى بما صنعت من مجد، وبما قدمت من رجال، وبما زرعته في الأرض من حضارة لا تزال آثارها تشهد لها بعد قرون طويلة من الغبار والدم والحرائق.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours