نمتار / كمال لازار*
الخسارةُ مسألةٌ نسبية، وهي تشمل مجالات كثيرة وجوانب عديدة لها صلة بحياة الإنسان، فقد يخسر الإنسان عندما يضيع ماله، وقد يخسر عقله إذا لم يستشره، أو إذا سيطر عليه الغضب، ويخسر علمه إذا لم يُقرْنه بالعمل أو اكتفى به لنفسهِ، ويخسر الشجاعة إذا وَهَنَ أو تسلّلَ الخوف إلى داخله، ويخسر حبَّه إذا اكتوى بنار الغيرة أو الحسد، ويخسر القناعة إذا سيطر عليه الطمع أو الجشع، ويخسر السلطة إذا طَغى وبَغى واستبدَّ أو رمى بالحكمة جانباً، وقد يخسر كرامته إذا تنازل عن مبادئه لأتفه الأسباب أو ضَعُفَ أمام المغريات.. وأنا اعتبر خسارة هذه الأخيرة، أي (الكرامة) خسارة حقيقية، لايمكن تعويضها بأي حال من الأحوال، لأنّ الكرامة هي الرصيد الحقيقي للإنسان، وإحدى أهم ركائز الشخصية، بل درعها الواقي، وسياجها المُحكَم، فإذا ما تنازل عنها صاحبها، يكون الموت قد دَثَرَهُ بوشاحه الأسود وهو واقفٌ على رجليه..
من هذا المنطلق، أكتب اليوم شيئاً عن موضوع (الكرامة) مستشهداً بما تختزنه ذاكرتي من أحداث وحكايات حول هذا الموضوع.
في عهد الخديوي توفيق الذي حكم مصر للفترة ( ١٨٧٩-١٨٩٢ ) كان إذا ما سأل أحداً عن اسمه، أجابه بإنحناء (عبدُك فلان ), إلاّ واحداً هو الزعيم مصطفى كامل، فيوم كان مصطفى تلميذاً بالمدرسة، أُقيمَ احتفالٌ رَأَسَهُ الخديوي توفيق لتوزيع الجوائز على المتفوقين، فلمّا نودي على التلميذ، وسأله الخديوي عن اسمه، رفع رأْسَهُ وأجابه بشجاعة: مصطفى كامل.!
وهمس مدير المدرسة في أذن مصطفى ليقول للخديوي: (عبدُك)، ولكنّه رفض أنْ ينطق بتلك الكلمة، التي لاتُوجّه إلاّ لرب العالمين .. ولمّا انصرف الخديوي، عاتب مدير المدرسة التلميذ مصطفى كامل على تصرفه، فقال له مصطفى: ما كنت عبداً، ولا كان أبي عبداً، فإذا أجبت بغير الواقع أكون كاذباً.
ومن الحكايات الأخرى عن الكرامة، أنّ أحد الأغنياء أقام في قصره المنيف حفلاً راقصاً، ودعا إليه أهل القرية، وكان قد زيّن ثوبَه بعددٍ كبير من الليرات الذهبية المتدلية من أطراف خيوطٍ واهنة، فتتساقط خلال رقصه، وكان كلّما وقعت واحدة منها، تهافت الفلاحون عليها، إلاّ فقيراً واحداً ظلَّ بينهم واقفاً، مرفوع الرأس، عالي الجبين، فسأله الغني:
لماذا لاتأخذ حصتك من الذهب؟ أجابه الرجل: لأنني لا أتذلّل وأحني رأسي لربحِ مالٍ أخسر به كرامتي..!
وهذه حكاية أخرى عن الكرامة، مازالت عالقة في ذهني إلى يومنا هذا..
في ليلة من ليالي الصيف عام ٢٠١٤، دعاني أحد أصدقائي المقربين لقضاء سهرة في نادي المعلمين العائلي، بحثاً عن الراحة من صخب الحياة ووجع الأيام، في تلك الليلة اخترنا مكاناً حول طاولةٍ بيضاءَ مستديرة، وضِعَتْ على مقربةٍ من الممر المؤدي إلى حدائق النادي، ولم تمضِ سوى دقائق، حتى بلغ إلى مسامعنا بأنّ العامل الذي كان يسهر على خدمتنا هو مهندسٌ مدني من أبناء شعبنا المهجّرين من إحدى بلدات سهل نينوى، شاب مكافح، صفعته الحياة وطحنته الأيام، وأجبرته الظروف للقبول بعمل، لا يتناسب مع مؤهله العلمي، وعلى الفور انتفض صديقي، وقام بمناداته، وبحركةٍ عفويةٍ منه، أساءَ التقدير، فأخرج من جيبه ورقة نقدية من فئة عشرة آلاف دينار، حاول أن يضعها في يده، مِن دون أنْ يتحسّب لِما قد يترتب على تصرفه الأخرق مِنْ نتائجَ عكسية، و بدوري كنت أراقب الوضع عن كثب، وأشك في أنْ تسمح له كرامته وعزّة نفسه بقبول ذلك العرض، وفعلاً ثبت أنّ شكّي كان في محلّه، نعم، لم يضعف ذلك الشاب، ولم يهتز، ورفض ذلك العرض رفضاً قاطعاً، وبدت علامات التأثر الشديد واضحةً على وجهه، ضارباً بذلك أروع مثل في الشهامة والكبرياء، وكأنَّ لسان حاله ينطق ويقول:
”لستُ أشكو ففي الشكوى إنحناءُ، وأنا نبضُ عروقي كبرياءُ”
هذا الإنسان النموذج، أراد من خلال تصرفه الحكيم أن يُذكّر بما قاله الشاعر
إصنعْ بنفسكَ ما صنعتَ فإنّما ….تشقى بما صنعتْ يداك وتُسعَدُ
ذلك الموقف المؤثر كان كافياً ليجعلني أفكر مليّاً، وأنا أتمتم مع نفسي وأقول: ما أصعبَ الحياة عندما يكون المرء ناجحاً والحياة فاشلة..
رئيس جمعية الثقافة الكلدانية*
اربيل- عنكاوا

+ There are no comments
Add yours