د. نوفل أبو رغيف
كاتب وشاعر – الوكيل الأول لوزارة الثقافة والسياحة والآثار في العراق الأسبق
باعتزازٍ وافرٍ تلقيتُ دعوةً كريمةً من مؤسسة (دار سعاد الصباح) للكتابة عن الأديب الزاخر والمفكر الكبير الدكتور عبد الحسين شعبان، وفي الدعوة كرمٌ وفضلٌ مضاعفان، فهي فرصةٌ للوصل وللتعاون مع دارٍ ثقافيةٍ لها موقع مهمٌّ وشاخصٌ في الثقافة العربية من جهةٍ، ولأنها تُكرّمُ علَماً عراقياً بارزاً، وتتيحُ فرصةَ الكتابة عنه من جهةٍ أُخرى، فلا يسعني إلا الشكرُ والعرفان للإسهام في هذا الإنجاز النوعي.
قد لا تكفي شهادةٌ لها حدودٌ معينةٌ، لأداء واجب الاحتفاء بتجربةٍ ثقافيةٍ كبيرة، فلن تكون الكتابةُ يسيرةً إذا كانت تلك التجربةُ فريدةً على مستويات عديدة، تماماً كما هي الحال مع الدكتور عبد الحسين شعبان بوصفه مفكراً مخضرماً وخبيراً قانونياً دولياً، ومؤرخاً، وناشطاً إنسانياً، وسياسياً وأديباً وناقداً لامعاً.
وما يعقِّدُ مهمةَ تقديم الشهادةِ في هذه الشخصيةِ أن المعرفةَ به أوسعُ من مقام الكتابة عنه، سواء أكانت (عن بُعدٍ) أم (عن قرب)، فقد التقيتهُ عن بُعدٍ وتعرَّفتُ إليه من خلال قراءة ما أُتيح لي مما كتَب هو وما كُتبَ عنه، فهو صاحبُ يراعٍ غزير الإنتاج متعدد الاهتمامات، يخوض كخبير متخصص بمختلف متون الحياة بعقل الأكاديمي المتخصص والباحث الذي لا يقدِّمُ إلا الجديد والمتفرد، وهو الناقدُ العارف بتضاريس النقد والكاتبُ الذي خبرَتهُ الميادين. ثم تحقّقَ اللقاء (عن قرب)، وكان لنا شرفُ تنظيم الاحتفاء به باسم وزارة الثقافة العراقية قبل ما يربو على العقدين من الزمن، حين أعدنا طباعةَ أثرهِ القيَّم الذائع (الجواهري – جدل الشعر والحياة) طبعة جديدةً لتستمرَ العلاقةُ زاهرةً في لقاءاتٍ وحواراتٍ متعددة ضمّتها بغداد وبيروت وأربيل وميسان والنجف وسواها، وكان الاحتفاء في وزارة الثقافة بدار الشؤون الثقافية العامة -التي كانت حينها بإدارتنا- حيث قُدمت فعالياتٌ مختلفةٌ بهذه المناسبة، منها: الاستماع إليه محاضراً ومعِّقباً، والإصغاءُ إلى مخرجات خبرته الطويلة، وتقديم قراءاتٍ متعددةٍ عن إنجازه الثقافي والعلمي، تلا ذلك طباعة كتاب مهم آخرَ من كتبه بعدَ كتابه عن الجواهري شاعر العرب الأكبر الذي رأى فيه الدكتور شعبان رمزاً لاستمرار الإبداع والتمرد من دون أن يكون تيار العاطفة الجارف وحِدَّةُ الموقف مانعَينِ من التأمل الحقيقي، فقد صالَ وجال مع الجواهري «طيلة قرن من الزمن، كلّ ما فيه كانَ مغضّناً بالشعر والتناقض والتحدّيات، في هارموني عجيب مصداقُهُ الاستثناء والفرادة»، فقد رأى الجواهري بعينٍ راصدةٍ، وكشفَ عن ثنائية تجمع بين الإبداع والحياة ليبرز في هذا الكتاب الناقد الذواق للشعر الحصيف في اختيار فرائده، والمؤرخ الذي يقدم أخباراً لا نجدها عند سواه، فقد عايشها مع الجواهري وكان شاهداً عليها.
وأما الكتابُ الآخرُ الذي احتفينا به مع المثقفين العراقيين فكانَ عن شخصيةٍ إشكاليةٍ في تاريخ العراق الحديث هي شخصية السياسي العراقي (سعد صالح جريو) التي أطل عليها الدكتور شعبان من منصة السياسي المثقف متابعاً حانياً لا مؤرخاً يقصُّ أخباراً ويذكر حوادثَ ومحطات، فكان يبحثُ عما يميز تلك الشخصيةَ وكان العنوانُ مثيراً في الحسابات الوطنية وربما في القناعات التي استقر عليها التاريخ المعاصر، إذ جاء بعنوان (سعد صالح الوسطية والفرصة الضائعة)، رأى فيه موهبةً لم تتحقق منها المصلحة التي توازي إمكاناتها، فقد كشفَ عن أفقه المميز في الإدارة والقانون فضلاً عن موهبة الشعر ورهافة الذوق في التلقي وفي إتقان فن الخطابة والكتابة التي تجمع الأسلوب الرصين والمضامين المؤثرة.
إنَّ سيرةَ المفكر الكبير عبد الحسين شعبان تشبهُ منظومةً جامعةً للمتضادات حافلةً بالإنجاز لا تنقصها الفرادة العجيبة، فهو من أُسرةٍ تغلب عليها المحافظة من بيئة دينية في النجف الأشرف، لكن تلك العائلة المعروفة لم تنغلق على التعليم الديني أو الاتجاه الواحد، إذ وفَّرَ له مناخُ التعدد في العائلة فرصةً لاختيار التعدد لا الطريق الواحد منهجاً للحياة والكتابة والنشاط، فهو اليساري ذو النزعة الثورية، لكنه المتصالح مع نفسه الذي فضَّلَ الحرية والانعتاق ولم يكن متحزباً منغلقاً، وهو من هذا المنطلق لم يكن بعيداً عن التفكير الحر والإعجاب بالتجارب المتحررة، ورغم أن الساحة العراقية كانت في قواها العلمانية ساحةً للصراع اليساري والقومي، فيمكنني القول إنه كان يسارياً وعروبياً قومياً وطنياً في الوقت نفسه، لم ينقطع عن الاتصال بالتراث الإسلامي وأثره القيمي، ولم يكن بعيداً عن قراءة القرآن ونهج البلاغة بأفقٍ معاصر لينطلق منهما إلى قراءة تراث المذاهب الإسلامية، فقدم قراءاتٍ رصينةً في الفقه والعرفان، وتناول التراثَ الإسلامي بعين الناقد الذي يحلل ويستنتج ولا يأخذ الأمور بوصفها مُسلَّمات محسومة النقاش، بعد أن أطلَّ عليها من موقعٍ معاصرٍ يكشف فيها عما يُعد خالداً لا تنكرهُ الشرائعُ ولا الدساتير، ولاسيما في حقوق الإنسان وما حفل به التراث.
لقد كانَ الدكتور شعبان على الدوام مع المواطن وحقِّه في حياة كريمةٍ عادلة لا يحول دون تحققها حكمٌ أو حاكم، ومع ذلك المشوار المعرفي المركَّب لم يكن بعيداً عن أجواء السياسة واللقاء بالعديد من الزعماء العرب، ليصنعَ لنفسه مكانةً في حساباتهم وحضوراً مميزاً لدى عدد منهم.
قد لا يتحدث الدكتور شعبان بالتفصيل عن نشاطه السياسي وتعرضه للأخطار لكنّ طوافَهُ خارجَ بلده بين العواصم يكشفُ عن طبيعةِ حياة الهجرة والمنفى الاختياري اللذينِ عاشهما لعقود، وقد تحولت تلك الرحلات إلى نشاط متجدد لمفكر يُحب أن يرى ويشعر عن قرب ويكتب عن تجربة عيان لا عن سماع أو عن قراءةٍ فحسب، ولم يكن بعيداً عن الصراحة مهما كانت النتائج، فهو مع قضايا الإنسان، ولاسيما الإنسان العربي في مواجهته لأعتى أعدائه مهما كانت النتائج.
لقد أيَّدَ بقوةٍ الحقَّ العربيَ الفلسطيني، ودافع بمنطق القانون الدولي -وهو الخبير- عن ذلك الحق مقدّماً في ذلك جهداً ملموساً، سابقاً غيره في السعي لمقاضاة إسرائيل على جرائمها، على الرغم مما يحاول حاسدون إشاعته بالعكس من ذلك.
ولم يثنه ذلك عن المطالبة بالحق وفق العدالة الدولية، ولايزال صوتاً صادحاً مع حقوق الشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني وحقه في دولةٍ مستقلةٍ، دون أن ينسى أزمة غزة والقتل والاضطهاد الذي مورس ويمارسُ عليها.
جرأة الدكتور عبد الحسين شعبان تدفعه دائماً للتصريح بالموقف والاحتجاج على الطغيان والانحراف، فيطلق صرخَته ويدُوّنها ويسعى إلى نشرها حين يَستعملُ الحاكمُ سلطَته في نزع صفة الانتماء إلى العراق جاهلاً بالتاريخ وبحجم جريمة التجريد من الهوية، لتكون تلك الصرخة سؤالاً يُعنون به مؤلفَهُ القيم: (من هو العراقي؟ إشكالية الجنسية واللاجنسية في القانونين العراقي والدولي)، ولم يستسلم للانفعال بل عالجَ الأمرَ بخبرة المتخصص في القانون المدافع عن كل ما يكفل حق الجنسية ولا يتيح لأي سلطة دون القانون نزعها من حاملها.
إن ما كتَبهُ عن المواطنة لم يكن بعيداً عن سعيه إلى تأكيد حقوق المواطن، فقد سعى نشاطاً وكتابةً إلى التعريف بها والمطالبة بتحققها، فكتب عن الهوية والمواطنة، وكان الهمُّ العراقي مقدماً لديه، وسعى إلى تقديم اقتراحاته النقدية في التوازن بين رؤية تُفضِّل حقَّ المواطنة على حق الانتماء الخاص الذي فرضه على الآخر، في ضوء الواقع الذي يضم التركيبة العراقية الدينية والعِرقية والطائفية المتنافسة سياسياً حين كتب (جدل الهويات في العراق: الدولة والمواطنة)، وترقى رؤيته إلى أن تكون برنامجاً مهماً لتعزيز أي مشروع للنهوض بالدولة من منطلق الإنسان، كما ركز تركيزاً ملحوظاً على المجتمع المدني الذي رأى فيه فرصةً لبناء الإنسان وبناء المؤسسات التي تقفُ بموازاة السلطات للخروج بنظام يكفل للمواطن حقوقه وللدولة سلامة بنائها.
ولم يغادر معرفته القانونية ووعيه بكتابة الدساتير فأخذَ يكتبُ مواجهاً الواقع السياسيَ وواقع الاحتلال -آنذاك- فحذَّرَ من أن يكون للاحتلال أثر في صياغة الدستور سواء أكان هذا الأثر مباشراً أم غير مباشر حين كتب (العراق – الدستور والدولة من الاحتلال إلى الاحتلال)، مستذكراً تجارب العراق، مركِّزاً في تحليلاته على الأحداث المعاصرة منطلقاً، من المعرفة الدستورية والرغبة في أن لا يقع بلده في أسر التأثير الذي يجلبه الاحتلال أو الارتباط به.
وكان للمثقف النصيب الأوفر من كتابات عبد الحسين شعبان من داخل حياة المثقف وهمومه ونشاطه، وما بينَ عالم المثال الذي ينشده أو يشيده، والواقع الذي يضطر للخوض فيه، يدركُ شعبان أنه يقطعُ الرحلةَ في ظلِّ وعيٍ بمرارة كما كبار المثقفين.
ويمكن وصفُ كتاباته بأنها تاريخ للمثقف العراقي -والعربي في تجارب معينة- وإثارةٌ للكثير من قضاياه المحورية، برؤية نافذةٍ تعكس خصوصية تجربته الثقافية ورؤيته لأزمة المثقف نفسه وأزمة المجتمعات التي يمكن أن يستغرق فيها.
ولم يغب عنه وهو يواجه أزمةَ الثقافة وأزمةَ المثقف أن عصرَ الأحزاب المؤثرة أو المهيمنة قد انتهى، وحل محلّهُ ما بعدَ الحزبية التي تعود لبعض سماتها حيناً وتفارق الكثير منها في أحيان أُخَر.
لم يترك عبد الحسين شعبان مهمةَ التعريف بصفحات مطويةٍ من تاريخ المثقفين والأُدباء والسياسيين، فقدَّمَ دراساتٍ منصفةً وثّقت لحياتهم وأفكارهم، وانفرد بالكثير منها مثلما انفرد بسماته في الكتابة والحوار العميق، فكما يترك أثراً كبيراً في قارئه فإنه لا يكفّ عن التأثير والتنبيه الذي يتركه في محاوره.
إنها لفتةٌ حضارية مهمة وشاخصةٌ، أن يُحتفى بالدكتور عبد الحسين شعبان، ويكرَّم من قبل هذه المؤسسة الرصينة، مثلما احتفى هو بالإنسان والأوطان والحضارة والمعرفة، وسعى إلى تخليد رموزها.




+ There are no comments
Add yours