
د. نوال الحوار
شاعرة وإعلاميّة سوريّة، مؤسِسة صالون 15 نوال الحوار الثقافي
يقول أدونيس: «إنَّ الإبداع حضور دائم»، وبصفة الدكتور عبد الحسين شعبان الدائمة أنه من القامات المبدعة، فحتماً هو حاضر في المشهد الإبداعي بشكل واضح، من خلال التزامه الدائم وانشغاله في مجال الكتابة الإبداعيّة ومتابعة سير المبدعين والكتابة عنهم، وأخصّ بالذِّكر العملين الأخيرين حول الكبار، وأقصد الشاعرين، محمد مهدي الجواهري، الذي نقَّبَ في عمق مناجم جواهره وقدمها لنا بحرفية صائغ ماهر، علماً بأنَّ كتاب «جواهر الجواهري» ليس الأوّل فقد سبقه كتاب «الجواهري – جدل الشِّعر والحياة»، 1997، وكتابه الموسوعي «الجواهري في العيون من أشعاره» دار طلاس، دمشق، 1986، والشاعر مظفر النواب الذي غاص في عطر بنفسجه، واشتمّ ما يجلب المتعة من ذاك البنفسج، فقدم لنا رواية (العطر) لزوسكيد، ولكن بطريقة «شعبانيّة» جعلت من عطر البنفسج مادة أدبيّة زادت في رصيد النواب عطراً وسحراً، ولاسيّما أنه كشف لنا ما لم نكن نعرفه عن سيرة النواب ما بين بستان الورد والنرجس الرايج سكر وبين البنفسج، وناقلنا في الرحلة «الريل» يقوده حمد.
مؤسّسة بشخص واحد
من يراجع مؤلفات الدكتور شعبان يدرك حتماً أنه مؤسّسة أدبيّة واقفة على قدمين، كتب في السِّيرة الذاتية والصراع العربي – الصهيوني وفي الاقتصاد والفلسفة والدِّين والسياسة والقانون وحقوق الإنسان والثقافة والنقد. إنّه يجيد صنعة الكتابة، وأؤكد هنا كلمة صنعة، يقول النص القرآني: «وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ» (سورة الأنبياء – الآية 80)»، ويقال في العامّيّة: شرب الصنعة، أي احترفها. فهو يكتب ويتحدث بثقافة عالية جداً ووعي قلّ ما وجدته عند غيره من الكتّاب.
جوار الأضداد
الدكتور شعبان رجُلٌ وُلد في أسرة دينيّة محافظة وعلى مقربة من مرقد الإمام عليّ في مدينة النجف (المقدّسة)، واحتلّت عائلته على مدى قرون مكانة رفيعة في الحضرة العلوية كرؤساء للمرشدين الدينيين، ورغم النشأة الدينية، حرّر عقله كاملاً من جوّ التعصّب، وانطلق في رحاب الفكر، ولم يمنعه واقعه الديني والمدني من تبنّي أفكار الحداثة والتقدّم. وكان مشواره الأوّل مع الماركسيّة، وقانونها الأساسي «العدالة والمساواة»، حيث بدا له الحزب الشيوعي بوصفه الراعي للفقراء والمظلومين، والمدافع عنهم. هكذا كانت الصورة الأولى في وجدان الرجل.
من هنا نجد كاتبنا وحسب ما تتبعت في سيرته الطويلة، أنه خصّص جزءاً من وقته للفكر والتبشير به، ثمّ لنقده ومراجعة التطبيقات الخاطئة، وهو ما تناوله بعمق في كتابه «تحطيم المرايا في الماركسيّة والاختلاف»، الذي سبق أن سلّط ضوءاً كاشفاً حول أخطائه النظريّة والتطبيق، وذلك في حواره معي حين كنت أقدّم برنامج «المشهد الثقافي» في تلفزيون ANB. ولم يتردّد في نقد تجربته العمليّة حين كان مسؤولاً إعلامياً وفكرياً في حركة الأنصار، حيث نشر مسيرته تلك برؤيته النقدية الموضوعيّة في كتاب «بشتاشان – خلف الطواحين… وثمّة ذاكرة: شهادة وليست رواية»، ولاسيّما بدعوته للتسامح والمصالحة والتخلّص من أدران الكراهيّة والحقد، وتنقية العلاقات بين القوى الوطنيّة لتستقيم على أسس صحيحة قوامها الصراحة والمكاشفة والبحث عن المشتركات.
مع حركة التحرّر أينما كانت
ووقف كاتبنا إلى جانب حركات التحرّر الوطني في مشرق الوطن العربي ومغربه، وفي مقدّمتها القضيّة الفلسطينيّة، التي يطلق عليها القضية الأكثر نبلاً وعدلاً وإنسانية، لما تعرّض له الشعب العربي الفلسطيني من ضيم وإجحاف وحرب إبادة وترحيل.
وقد نشر نحو 10 كتب حول القضيّة الفلسطينيّة والصراع العربي – الإسرائيلي، وعمل على إصدار العديد من القرارات الدوليّة لصالح فلسطين في المحافل الدولية، وأسّس العديد من الجمعيات المناهضة للصهيونيّة، وفي مقدّمتها «اللجنة العربيّة لدعم قرار الأمم المتحدة 3379» (اللجنة العربيّة المناهضة للصهيونيّة والعنصريّة)، وكان أمينها العام. ويعتبره الفلسطيّنيون على اختلاف توجّهاتهم، فلسطينياً من صميم القضيّة، وهو الذي قضى ردحاً من الزمن يكتب ويحاضر ويناضل كأيّ فلسطيني حمل القضيّة على أكتافه وطاف بها في هذا العالم الواسع.
ولا أبالغ إذا قلت إن اسمه ارتبط مع معظم قياديّي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومنظّمة فتح وغيرها، فقد كان دائم الدعوة إلى لمِّ الشمل وتقريب وجهات النظر، مثلما ارتبط مع الشخصيات الفكريّة والثقافيّة الفلسطينيّة، فكتب عن غسان كنفاني وإدوارد سعيد ومحمود درويش وليلى خالد، وارتبط مع العديد من المثقّفين الفلسطينيّين بصداقة حميمة، حتى إن الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيّين منحه عضويّة شرف منذ العام 1981.
وكان مفكّرنا دائماً ينظر إلى المقاومة كحقٍّ مشروع وعادل للشعوب المستعمَرَة والتابعة، وهو حقّ يقرّه القانون الدولي، إضافة إلى التعاليم الدينيّة، وعلى هذا الأساس وقف مع جميع حركات التحرّر في العالم العربي وفي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن يقرأ كتابه «كوبا الحلم الغامض»، يُدرك العلاقة الحميمة التي ربطت جيفارا بالعالم العربي، وتأثّر الأخير به، مثلما تأثر جيفارا بالعالم العربي، وهو ما يكشف عنه بعمق وتوثيق ومعرفة، مقدّماً قراءة نقديّة جديدة للتجربة الكوبيّة بشكل خاص وللتجربة الاشتراكيّة بشكل عام. وفي هذا الكتاب يلقي ضوءاً على تجارب أمريكا اللاتينيّة واليسار الجديد ويجري مقارنات بين تجاربنا وتجاربهم.
اللغة واللغة واللغة
يُعتبر د.شعبان أحد أكثر الكتّاب غزارة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وكلُّ من يعرف الدكتور شعبان، يعرف هذه المعلومات، فاللغة كما البشر خارجة من الطِّين ينحسر عنها الماء تجف، ربما تتشقّق. هنا يأتي دور الكاتب يبلّلها بحبر يراعه، ويعيد لها الحياة من جديد، عبر سكبها في قوالب لائقة فتخضرّ، وتنمو وتُورق وتعيد لها الحياة من جديد، وهذا ما يفعله بالضبط .
الدكتور عبد الحسين شعبان الذي يحسن بثّ الروح في حياة اللغة، فيحيلها إلى حدائق نقطف منها ما نشاء، وهو الذي يلمس اللغة ملامسة العاشق، وهو بهذا يسير على خطى أبي صخر الهذلي الذي قال في محبوبته:
تكاد يدي تندى إذا ما لمستُها
وينبتُ في أطرافها الورقُ الخُضْرُ
التسامح
وبمناسبة الورق الأخضر، وهو بالنسبة لي رمز للعذوبة.. لابدّ من الحديث عن شخصيّة الدكتور شعبان بعيداً عما قدَّمه للثقافة العربيّة، الدكتور شعبان لا يمكن الحديث عنه دون الحديث عن شخصيّته المنفتحة المتسامحة والمتسامية، ففي منزله تجد الفلسطيني واللبناني والسوري والعراقي واليمني والمصري والأردني والسوداني والمغربي والتونسي والكويتي والسعودي وغيرهم، والكل يجمعهم تحت مظلته الفكرية، كيف لا وهو بيت العرب، مشرّعة أبوابه لياسمين دمشق ونخيل البصرة وماء دجلة والفرات، وكلّ ذلك يصبّه في إنائه المتاح، والذي يبحث عن الفوارق مع الآخر ليقلّص منها وعن الجوامع عنده وعندهم ليُعمّمها. ولم يكن في سلوكه متسامحاً فحسب، بل كرَّس جهداً فكريّاً وعلى مدى عقود في نشر ثقافة التسامح عبر ندوات ومؤتمرات وكُتُب لعلَّ أكثرها شهرة كتابه «فقه التسامح في الفكر العربي – الإسلامي» الذي قدَّم له المطران جورج خضر.
الصداقة ثمَّ الصداقة
جمَعَتني مع الصديق شعبان صداقة وطيدة، تقاسمنا الأفكار والأحلام والخيبات واللغة وثقافة السلام، فهو أحد دعاته ومنظّريه، وبهذا الصدد ساهم وبشكل فاعل في إنشاء مجموعة السلام العربيّة التي يُعدّ أحد مؤسّسيها. ومَنْ يعرف شعبان يستطيع أن يدرك معنى الصداقة ومكانتها لديه وحرصه على التواصل على الرغم من البُعد، وهو الذي يقول إنّ أحد أسباب السعادة التواصل مع الأصدقاء القدامى.
إنّ الجوهرة التي تسكن عمق هذه القامة العروبيّة تشعّ وتضيء، وكلما ازداد الظلام تزداد حضوراً وتشدّ الأبصار إليها بلا كلل أو ملل.
هذه بعض من جوانب شخصيّة الدكتور شعبان الذي جمع بين خيال الكاتب وحيويّة المناضل السياسي، واجتمعت لديه الأحلام مع الحقائق، بل إنه يتبادل أدوارها أحياناً فيتحوّل الحلم إلى حقيقة والحقيقة إلى حلم.
أودّ هنا أن أتطرّق لسيرته الشخصيّة، هو ابن العائلة المرموقة، وتصرّف كل حياته على هذا الأساس، فلم أسمع عنه أنه اقترف فعل النميمة بحق أحد، وكلّنا يعرف أن المجالس الثقافيّة لا تخلو من الحروب، فهو بهذا المجال دافئ ومحب، وجامع شامل لا مفرِّق، وبيته محجّة لكل طالب حاجة لا يردّه شيء عن فعل الخير.
كما كان المحفّز لي والداعم الأول لتأسيس «صالون 15» (نوال الحوار الثقافي)، وذلك ردّاً على ما أصاب بيروت من دمار وحصار، ولا سيّما بعد انفجار المرفأ العام 2021 (4 آب/أغسطس)، وكان خير عون وداعم، ومنحني من وقته وجهده الكثير كي أقدّم ما هو مُختلِف عمّا هو سائد، وظلّ يرفدني بآرائه واستشاراته التي لا غنى عنها، حتى أصبح الصالون عنواناً يقصده العديد من المثقّفين العرب ويتتبّعون أخباره ونشاطاته.
ختاماً، أقول: د.شعبان مثقّف عضوي حقيقي، ربَطَ الفكرة بالعمل، وقدّم مساهمات غنيّة في قضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني والتنمية والثقافة، فاستطاع أن يتواصل مع أهم المراكز العالميّة التي تهتمّ بهذا الشأن، معتمداً على معرفته باللغة الإنجليزية والعربية، فكان خير من يطرح الأفكار وينظِّر لها ويجترح الحلول المناسبة.
وفي قضيّة اللّاعنف، أسّس مع مجموعة من الباحثين صرحاً جامعياً لتثقيف الجيل الجديد بثقافة اللّاعنف التي دعا إليها، نابذاً كل فعل عنيف ومبشراً بوعي جديد وحاملاً لواء التغيير، وهكذا أسّس مع كوكبة من زملائه «جامعة اللّاعنف» في بيروت، وهي جامعة للتغيير.
أدام الله سعادته وأطال بعمره، وكل الشكر للجليلة النبيلة الدكتورة سعاد الصباح، التي أتاحت لي ولبقية زملائي أن نتحدّث عن الصديق المبدع، المفكر العراقي العربي الدكتور عبد الحسين شعبان.



+ There are no comments
Add yours