نمتار / اياد حسين علي خلف

كيف تتحول الشاشة من أداة لنقل الحقيقة إلى مصنع لإنتاج الوهم وبرمجة العقول؟ في عصر التدفق المعلوماتي اللحظي، تُقدَّم وسائل الإعلام الجماهيرية على أنها التجسيد الحقيقي للديمقراطية، إذ تُوصل المعرفة إلى كل شريحة من شرائح المجتمع. غير أن التحليل السوسيولوجي الدقيق يكشف بنيةً خفيةً تحكم هذا الفضاء؛ بنيةً لا تُقاس فيها قيمة الأفكار بعمقها المنهجي، بل بمدى توافقها مع القوالب الاستهلاكية الجاهزة التي يفرضها الإيقاع المتسارع للإعلام.

يفكّك بيار بورديو “الحقل الصحفي” ويسلط الضوء على الآليات التي توظّفها وسائل الإعلام للتحكم في الإدراك الاجتماعي. يرى بورديو أن الإعلام، وعلى رأسه التلفزيون، يمتلك سلطةً استثنائيةً لفرض الإشكاليات وتحديد ما يستحق النقاش، ومن ثمّ تهميش القضايا الجوهرية وإزاحتها إلى الهامش. إن الفضاء الإعلامي ليس محايداً البتة، بل يخضع لمنطق التبسيط المفرط الذي يتناقض تناقضاً جذرياً مع مسارات المعرفة العلمية الرصينة القائمة على التجريب والمراجعة وبناء المفاهيم المتراكمة، بينما يعتمد الإعلام على اللقطة الخاطفة والمواجهة الدرامية المصطنعة.

يتجلى هذا التزييف، بحسب بورديو، في صناعة ما يسميهم بـ”المفكرين السريعين (Fast thinkers)؛ أولئك الأكاديميون والمعلقون الذين يجيدون الخوض في أي موضوع بعبارات جاهزة ومصقولة تلائم الوقت المضغوط على الشاشة، مؤدين بذلك إلى إقصاء الفكر العلمي الحقيقي الذي يتطلب أناةً وتأملاً وتفكيكاً متأنياً. علاوةً على ذلك، يمارس الحقل الإعلامي ضرباً من “الرقابة الخفية”؛ إذ يُعاد عبر انتقاء الضيوف وتوجيه النقاشات في مسارات محسوبة مسبقاً إنتاجُ رؤية الطبقات المهيمنة، وتُفرَّغ النظريات النقدية من محتواها الجذري لتتحول إلى فقرات ترفيهية خفيفة.
إن الانعكاسية المطلوبة هنا، كما يطرحها بورديو، تحتّم على الباحث والفاعل الاجتماعي أن يُحلّل شروط إنتاج المعرفة في الفضاء الإعلامي. فالأفكار المتداولة على الشاشات ليست انعكاساً للواقع، بل نتاجُ آلياتٍ انتقائيةٍ معقّدة تُعيد ترتيب الوقائع وتوجيه الانتباه نحو قضايا بعينها، بما يساهم في حجب البنى الاجتماعية العميقة وصرف النظر عن مصادر الاختلال الأساسية.
“لويس بينتو، نظرية العالم الاجتماعي عند بيار بورديو”، ترجمة محمد أمطوش، عالم الكتب الحديث، 2014.
هذا الكتاب هو ترجمة أو معالجة عربية لأفكار بورديو الواردة أساسًا في كتابه الفرنسي. عن التلفزيون، وهو من أشهر كتبه في نقد الإعلام
يتناول الكتاب موضوعات مثل:
تأثير التلفزيون في تشكيل الرأي العام.
كيف يمكن للإعلام أن يوجه انتباه الناس إلى قضايا معينة ويُهمل أخرى..
العلاقة بين وسائل الإعلام والسلطة السياسية والاقتصادية.
تأثير المنافسة على نسب المشاهدة في جودة المحتوى الإعلامي.
دور الإعلام في إعادة إنتاج الأفكار السائدة بدلًا من تشجيع التفكير النقدي.
لا يزعم بورديو أن التلفزيون “يكذب دائمًا”، بل يرى أن بنية العمل الإعلامي (السرعة، المنافسة، البحث عن الإثارة، وضغوط السوق) قد تدفع إلى تبسيط القضايا وتهميش التحليل العميق، مما يؤثر في وعي الجمهور.
إذا كنت مهتمًا بالفكر النقدي أو بدراسة الإعلام، فهذا الكتاب يُعد مدخلًا مهمًا، لكنه مكتوب بأسلوب أكاديمي نسبيًا، لذا قد يحتاج إلى قراءة متأنية.
بكل سرور. يمكن تلخيص أفكار بيار بورديو في هذا الكتاب بطريقة بسيطة كما يلي:
1- التلفزيون لا ينقل الواقع كما هو
يرى بورديو أن التلفزيون لا يعرض كل ما يحدث، بل يختار ما يُعرض وما يُهمَل وهذا الاختيار يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس العالم.
مثال:
إذا ركزت نشرات الأخبار طوال أسبوع على الجرائم، فقد يظن الناس أن المجتمع أصبح أكثر خطورة، حتى لو لم ترتفع معدلات الجريمة.
2- السباق على المشاهدات يضعف جودة المحتوى
القنوات تتنافس على جذب أكبر عدد من المشاهدين، لذلك تميل إلى تقديم:
الأخبار المثيرة.
الفضائح.
الصراعات.
القصص العاطفية.
لأن هذه الأمور تجذب الانتباه أكثر من التحليلات العميقة.
3- الوقت القصير يمنع التفكير العميق
البرامج التلفزيونية غالبًا تمنح الضيف دقائق قليلة فقط، فيضطر إلى تبسيط الأفكار أو إطلاق شعارات بدلًا من شرح القضايا المعقدة.
فكرة بورديو:
بعض المواضيع لا يمكن فهمها في دقيقة أو دقيقتين
4- الإعلام يصنع ما يهتم به الناس
الإعلام لا يخبر الناس فقط بما يحدث، بل يحدد أيضًا ما يعتبره الناس مهمًا.
إذا كررت وسائل الإعلام الحديث عن موضوع معين، يبدأ الجمهور بالاعتقاد أنه القضية الأهم، بينما قد تُهمَل قضايا أخرى لا تقل أهمية.
5- ظهور الشخص في التلفزيون يمنحه سلطة
بمجرد أن يظهر شخص كثيرًا على الشاشات، قد يظنه الناس خبيرًا أو صاحب رأي مهم، حتى لو لم يكن كذلك لهذا يحذر بورديو من الخلط بين الشهرة والخبرة.
6- الإعلام قد يخدم أصحاب النفوذ دون قصد
لا يقول بورديو إن هناك مؤامرة دائمة، لكنه يرى أن الضغوط الاقتصادية والسياسية تجعل وسائل الإعلام تميل إلى تجنب ما قد يضر بمصالح الممولين أو أصحاب السلطة.
7- التفكير النقدي ضروري
لا يطلب بورديو من الناس أن يرفضوا الإعلام، بل أن يسألوا دائمًا:
.من اختار هذا الخبر؟
.لماذا عُرض بهذه الطريقة؟
.ما المعلومات التي لم تُذكر؟
.من المستفيد من هذه الرواية؟
الخلاصة في جملة واحدة:
يرى بورديو أن الإعلام لا يكتفي بعكس الواقع، بل يساهم في تشكيل الطريقة التي نفكر بها ونفهم بها العالم، ولذلك يجب التعامل معه بعقل ناقد لا بتلقٍّ سلبي.
هل ما زالت أفكاره صالحة اليوم؟
إلى حد كبير نعم، بل يرى كثير من الباحثين أن أفكاره أصبحت أكثر أهمية مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، لأن خوارزميات المنصات تعتمد أيضًا على جذب الانتباه، وغالبًا ما تكافئ المحتوى المثير أو المثير للجدل أكثر من المحتوى المتوازن والعميق.
لكن من المهم أيضًا ملاحظة أن الإعلام ليس كتلة واحدة؛ فهناك مؤسسات صحفية تسعى إلى الالتزام بمعايير مهنية عالية، كما أن الإنترنت أتاح الوصول إلى مصادر متنوعة، وإن كان قد زاد أيضًا من تحديات التحقق من المعلومات. لذلك فإن أفضل نهج هو تنويع مصادر الأخبار والتحقق منها، بدلًا من قبول أو رفض كل ما تقدمه وسائل الإعلام.


+ There are no comments
Add yours