حين استُهين بالشعوب… استُرخصت الأوطان

نمتار / خالد قاسم الطشي

لم يعد القلق الذي يسيطر على الشارع العربي خوفًا من حربٍ عابرة، بل أصبح خوفًا على مستقبل أمةٍ بأكملها. فكل يوم يحمل خبرًا أكثر قسوة، وكل أزمة تفتح بابًا لأزمة أخرى، حتى بات المواطن العربي يتساءل بقلق:

هل ما زال في الوقت متسع لإنقاذ ما تبقى من هذا الوطن العربي الكبير… أم أننا نقترب من لحظة يصبح فيها الندم بلا قيمة؟

فلسطين تنزف، ولبنان يواجه أزماته، وسوريا تحاول النهوض من آثار الحرب، واليمن يدفع ثمن صراعٍ أنهك دولته وشعبه، والسودان وليبيا يواجهان خطر الانقسام، بينما تتصاعد التوترات في الخليج. إنها ليست أزمات منفصلة، بل صورة واحدة لأمة تواجه اختبارًا تاريخيًا.

إن ما أوصل المنطقة إلى هذا الواقع لم يكن الحروب وحدها، بل سنوات من الانقسام، وسوء التقدير، والرهان على الخارج، حتى ظن البعض أن المال يصنع الأمن، وأن التحالفات تضمن البقاء، وأن بإمكان أي دولة أن تحمي نفسها بمعزل عن محيطها.

لكن التاريخ أثبت أن المال يبني المدن ولا يحمي الأوطان، وأن التحالفات تتغير بتغير المصالح، أما القوة الحقيقية فهي في الشعوب، وفي الدولة القوية، وفي القرار المستقل، وفي وحدة الصف.

لقد سقط وهم الأمن المنفرد. وأثبتت الأحداث أن أمن أي دولة عربية يبدأ من استقرار شقيقتها؛ فلا أمن للخليج إذا ظل اليمن ينزف، ولا استقرار للمشرق من دون تعافي سوريا ولبنان، ولا مستقبل للمنطقة من دون سودانٍ وليبيا آمنين، ولا يمكن أن تبقى فلسطين قضية مؤجلة في ضمير الأمة.

إن استعادة الدول العربية التي أنهكتها الحروب ليست مسؤولية داخلية فقط، بل مسؤولية عربية مشتركة، لأن سقوط أي دولة عربية لم يعد شأنًا يخص شعبها وحده، بل أصبح تهديدًا يمتد إلى الجميع.

المؤلم أن حجم الأخطار لم يقابله موقف عربي بحجم اللحظة…

فجامعة الدول العربية، التي يفترض أن تكون بيت العرب وصوتهم المشترك، مطالبة اليوم باستعادة دورها التاريخي، والدعوة إلى مبادرة عربية جادة توقف نزيف المنطقة وتعيد بناء الثقة بين الشعوب والدول.

أيها القادة العرب..

إن التاريخ لا يرحم الأمم التي ترى الخطر يقترب ثم تكتفي بالمراقبة. المطلوب اليوم ليس مزيدًا من البيانات، بل قرارٌ شجاع يعيد الاعتبار للعمل العربي المشترك، ويحمي الدول الممزقة، ويجعل أمن الإنسان العربي واستقرار أوطانه فوق كل اعتبار، فليس المطلوب أن تنتصر دولة عربية على أخرى، بل أن تنتصر الأمة العربية على مشروع تفكيكها.

وكما قال الشاعر:

تأبى العِصِيُّ إذا اجتمعن تكسُّرًا

وإذا افترقن تكسَّرت آحادًا

فلا تستهينوا بشعوبكم… فالشعوب هي الحصن الأخير للأوطان. وإذا ضاعت وحدة الصف والقرار، ضاعت معها أقوى أسباب البقاء.

فإذا كان الماضي قد فرّقنا، فلا يجوز أن نسمح للمستقبل أن ينتزع منا ما تبقى من أوطاننا.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours