نمتار/ خالد الطشي
بعد أكثر من عقد من الحرب، ما زال كثيرون يختزلون الأزمة اليمنية في انقلاب الحوثيين عام 2014. ورغم أن ذلك الانقلاب كان الشرارة التي أشعلت الصراع، إلا أنه لم يكن أصل المشكلة بقدر ما كان نتيجة لها. فالحوثيون لم يسقطوا دولة قوية، بل وجدوا دولة منهكة ومؤسسات مترهلة فقدت قدرتها على حماية نفسها.
لقد كشفت الأحداث أن ما جرى في اليمن لم يكن مجرد صراع على السلطة، بل أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. أزمة أصابت النظام السياسي، وأضعفت مؤسسات الدولة، وعمقت الانقسامات، حتى أصبح الانهيار نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الاختلالات المتراكمة.
لكن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه جميع الأطراف تمثل في الاعتقاد أن الحرب قادرة على إنتاج حل سياسي. فبعد سنوات من المواجهات العسكرية، لم يحقق أي طرف نصرًا حاسمًا، ولم ينجح أي مشروع في فرض نفسه على كامل الجغرافيا اليمنية. وما تحقق على أرض الواقع كان العكس تمامًا؛ دولة أكثر ضعفًا، واقتصادًا أكثر انهيارًا، ومجتمعًا أكثر انقسامًا.
واليوم لم تعد الأزمة اليمنية مجرد مشكلة داخلية تخص اليمنيين وحدهم، بل تحولت إلى مصدر قلق إقليمي ودولي متزايد. فاستمرار الصراع واستنزاف مؤسسات الدولة يفتح المجال أمام مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية. كما أن استمرار الحرب في ظل التصعيد الإقليمي المتنامي يجعل اليمن عرضة للتحول إلى ساحة مفتوحة للصراعات والنفوذ المتبادل، وهو ما يهدد الأمن الإقليمي وسلامة الملاحة الدولية واستقرار المنطقة بأكملها.
ومن هنا فإن استمرار الأزمة لم يعد خيارًا يمكن التعايش معه، كما أن إدارة الصراع لم تعد كافية.
فالمطلوب اليوم هو حل شامل ومستدام يعالج جذور المشكلة، لا مجرد هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار إلى وقت لاحق.
ولكي يتحقق ذلك، يجب أولًا الاعتراف بحقيقة أساسية مفادها أن المشكلة اليمنية لم تعد مشكلة انقلاب أو شرعية أو صراع بين أطراف متنافسة فحسب، بل أصبحت
أزمة دولة تحتاج إلى مشروع وطني لإعادة بنائها.
أما الحل، فلا يمكن أن يبدأ من الخارج، لأن الخارج يستطيع دعم السلام لكنه لا يستطيع صناعته. والحل الحقيقي يجب أن ينطلق من اليمنيين أنفسهم، عبر مبادرة وطنية يقودها العقل السياسي اليمني والقوى الوطنية المؤمنة بالدولة والسلام، لصياغة مشروع وطني جامع يعالج جذور الأزمة ويحدد ملامح الدولة المستقبلية وأسس الشراكة الوطنية وضمانات الاستقرار.
وعلى أساس هذا المشروع الوطني، يُدعى إلى مؤتمر سلام يمني شامل لا يستثني أحدًا، تشارك فيه جميع المكونات الوطنية الفاعلة، بهدف مناقشة القضايا الجوهرية التي أنتجت الصراع والوصول إلى عقد وطني جديد يؤسس لدولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون والشراكة السياسية العادلة.
بعد ذلك يأتي الدور الإقليمي باعتباره شريكًا داعمًا لجهود السلام، من خلال رعاية المشروع الوطني اليمني وتوفير الضمانات السياسية والاقتصادية اللازمة لإنجاحه. كما يأتي دور المجتمع الدولي في دعم تنفيذ الاتفاق وضمان استدامة السلام والمساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة وإنعاش الاقتصاد اليمني.
كما أن أي تسوية ناجحة يجب أن تنطلق من حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أنه لا يوجد منتصر في هذه الحرب، ولا طرف يمتلك القدرة على حكم اليمن منفردًا. فمستقبل البلاد لا يمكن أن يبنى على الإقصاء أو الهيمنة أو فرض الأمر الواقع، بل على التوافق والشراكة والاعتراف المتبادل بالمصالح الوطنية العليا.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن السلاح قادر على إشعال الحروب، لكنه عاجز عن بناء الدول. كما أثبتت أن استمرار الأزمة لم يعد خطرًا على اليمن وحده، بل أصبح خطرًا على استقرار المنطقة ومصالح المجتمع الدولي بأسره. ولهذا فإن السلام في اليمن لم يعد مطلبًا إنسانيًا أو سياسيًا فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية للجميع.
إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى جبهات جديدة، ولا فتح معسكرات متجددة بل إلى رؤية وطنية جديدة.
ولا يحتاج إلى مزيد من البنادق بل إلى مشروع دولة..
وعندما يمتلك اليمنيون مشروعهم الوطني الجامع، ويحظى ذلك المشروع بالدعم الإقليمي والرعاية الدولية اللازمة، يمكن عندها الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة السلام، ومن حالة الانقسام إلى بناء الدولة، ومن الحرب المفتوحة إلى الاستقرار المستدام.
هذه هي المشكلة الحقيقية في اليمن، وهذا هو الطريق الأقصر نحو الحل…
حزيران / 2026


+ There are no comments
Add yours