اوركسترا الحضور…قراءة في اعمال علي نعمه

نمتار / د. فائز يعقوب الحمداني

عندما نستمع الى فرشاة علي نعمه، نشعر بقوة الفعل الانساني على القماشة، هذا الفعل الذي يتجاوز حدود والوان شخوص القماشة ليجعلها تعيش مع ناظر المتلقي في حالة تفاعل تجعله يتساءل عن معنى هذا الوجود و مدى قدرة الفعل في رسم حدوده او تخطيها.

ان لوحات علي نعمه تمثل قراءة خاصة لحضور الجسد الانساني على قماشة الحياة، هذا الحضور الذي ظل يصارع الحياة منتصرا عليها مرة كما في لوحات عصر النهضة، وندا لها في لوحات روبنز واسيرا لها في اعمال تنتوريتو وال كريكو. لينتهي المطاف به متشظيا على قماشة الحياة المعاصرة كما في سيسلي براون.

ان علي نعمه يحدد موقع شخوصه في الحياة بطريقة لا يستطيع معها المتلقي ان يحدد موقف المنتصر من المهزوم. فالشخوص وهي تحاول ان تفرض ايقاعها لا تستطيع ان تحافظ على حدودها ولا على وحدتها اللونية وهي احيانا صاحبة الفعل واحيانا اخرى اسيرة له.

انها تعيش ازمة مع المحيط، فهي وهي تعيش حضورها الابداعي في لوحات الاعمال الموسيقية موحية للمتلقي بانها تفرض لون وجودها الابداعي على المشهد لكنها في الوقت ذاته تفقد حدود حضورها معه بما يثير التساؤل عن مدى تصالحها مع محيطها. هل هي تلون المشهد بفعل الموسيقى ام انها تغيب معه في لحظة غادرتها الموسيقى ولم تعد لها القدرة على ان تحافظ على حدود حضورهم معها.

ان مساحاته اللونية لا تكف عن الانفلات عن حدود وجودها وكانها تحاكي دموع القماشة وهي ترصد المعاناة التي تعيشها شخوصها وخصوصا نساؤها اللواتي يابين التواجد على لوحة تتماسك تفاصيلها اللونية لتضيع تلك النساء خلف تلك المساحات اللونية الباذخة الحضور ولكنها لم تستطع ان تطفيء نظرة الحزن على وجوه فتياته المحتفى بهن. انهن عرائس لم يتح لهن ان يعشن سعادة اللحظة المرتقبة.

لوحات علي نعمه حضور انساني مفعم بالدراما اللونية الحارة انها معاناة الحضور الانساني وهو يحاول ان يؤكد وجوده ولكن خانته المساحات اللونية الطاغية وترف الفرشاة وهي تقسو على حدود وجوده بطريقة لا نستطيع معها سوى ان نشعر بالقناعة. قناعة ان جمال الحياة احيانا مستوحى من دراما معاناتنا ونحن نعيشها. انه يفرض علينا ان نتصالح مع هذه الضربات الحادة واللمسات اللونية التي تتجاوز على حضورنا مهما كان فعلنا على قمشاتها.

ان عزاءنا ونحن نراقب سطوة اللون والخط على الوجود الانساني في لوحات علي نعمه يتمثل في انه يمنح حضورنا فرصته الاخيرة ليقول كلمته وسط الكثير من التفاصيل الاخذة بالبابنا ونحن نتجول بين الوانه وخطوطه وهي تغتصب حدودنا ومساحاتنا. ربما لان الوانه الواثقة تمارس حقها في سطح اللوحة، ولا عزاء للحضور الانساني امام هذا المحيط المهيب بكل تفاصيله.

هل يعني ان الوجود الانساني على قماشة الفنان رضي بالهزيمة؟ لا اظن ذلك فالفنان هنا يقول لنا انه مهما كانت الخطوط جائرة والمساحات اللونية قادرة على ان تملك انظارنا، فانها تبقى ابنة الحضور الانساني وان قست عليه. يبقى الانسان الذي يحارب لاجل وجوده او يشعر بالانكفاء والحزن وهو يشعر بانه مسلوب الحضور، هو اصل اللوحة وجوهرها. الانسان في اعماله لا يملك القدرة على التصالح مع مساحات الحياة ولكنه يبقى صاحب الحضور وعلى المتلقي ان يستمع اليه ويمنحه احساسه لكي يمنحه مساحته التي يستحق في سمفونية الحياة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours