نمتار / أكرم توفيق

تنهض هذه النصوص الأربع على فضاء وجداني واحد تتقاطع فيه ثيمات الحب والغياب والحنين والفقد. وتتوزع بين لحظات الانتظار والتذكر والندم والتوق وهي قصائد قصيرة في بنائها لكنها مشحونة بكثافة شعورية تجعل من الاقتصاد اللغوي وسيلة لتوليد دلالات واسعة تتجاوز حدود النص المباشر.
أولاً: شعرية الانتظار والحدس في القصيدة الأولى
يفتتح الشاعر نصه بمشهد ليلي هادئ:
(آخر الليل .. تنام الطرقات
لا أسمع .. غير شخير النجمِ)
يوظف هنا تقنية التشخيص إذ يمنح النجم صفة إنسانية عبر (الشخير) فيخلق صورة سريالية رقيقة تعمّق إحساس السكون الكوني. غير أن هذا السكون لا يلبث أن يتصدع بوقع خطوات غامضة:
(مَنْ هذا القادمُ
من عطش الروح
بجنحِ … ملاكْ ؟!!)
فالذات الشعرية تعيش حالة ترقب روحي والقادم ليس شخصاً عادياً بل كائن يتشكل من حاجة الروح وعطشها. وهنا يتحول الحب إلى خلاص شبه ملائكي وتصبح القصيدة أقرب إلى مناجاة داخلية تبحث عن حضور ينقذها من وحدتها.
نص القصيدة الاولى
” آخر الليل … تنامُ الطرقاتِ
لا أسمعُ … غير شخير النجمِ
و وقع خطاكْ
مفزوعاً … في السّر
أُخمّن ؛
مفزوعاً … في السّر
أُخمّن ؛
مَنْ هذا القادمُ
من عطش الروح
بجنحِ … ملاكْ ؟ !!”
ثانياً: فلسفة الغياب في القصيدة الثانية
تمثل هذه القصيدة أكثر النصوص نضجاً واتساعاً من حيث البناء الدلالي يبدأ الشاعر بمحاولة ترميم الذات:
(أُعيد صياغة أيامي
أُسلي وحشة الروح)
لكن هذا الترميم سرعان ما يصطدم بسطوة الذاكرة فكل محاولة لإعادة تشكيل الحياة تستند إلى بقايا علاقة انفرط عقدها:
(بما أنفرط من عقد لآلئ أفراحنا)
وهي صورة موفقة تجمع بين الجمال والانكسار في آن واحد، ثم يبلغ النص ذروته في قوله :
(ما عاد يجمعنا
غير الغياب)
وهي مفارقة شعرية عميقة إذ يتحول الغياب إلى الرابط الوحيد بين العاشقين وكأن الفقد نفسه أصبح شكلاً من أشكال الحضور. أما الخاتمة:
(فتاهت… وحدها تهذي
على عكاز ماضيها)
فتمثل صورة بليغة للزمن المنهك. الأيام هنا عجوز تتكئ على ذكرياتها بعدما فقدت قدرتها على مواصلة السير. وهي من أجمل صور النص وأكثرها كثافة.
نص القصيدة الثانية:
“أُعيد صياغة أيامي
أُسلي وحشة الروح
ألوّنها بما تخفي عينيكَ
وأحلامي…
بما أنفرط من عقد لألىء أفراحنا
وبما ضاع … و… ألتاع
من أوجاع
أوجاعي..
ما عاد يجمعنا..
غير الغياب
هنا … تركنا أثراً
عند باب الليل
ولم يأت القمر
لم يُدّقُ الحُبّ باباً
لم يُصلِ … القلبُ فينا
فما عادت الأيام تشبهنا
و ما عُدنا نطاوعها
كما… كنا
فتاهت… وحدها تهذي
وتمشي..بلاظل
على عكاز ماضيها”.
ثالثاً: الاقتصاد التعبيري في القصيدة الثالثة
تقوم هذه القصيدة على فكرة واحدة مكثفة:
(نسيتُ أن أقولْ
أحبك – ذات عام –
فتقلصت الفصولُ
إذ غاب فصل الربيع !)
يختزل الشاعر مأساة كاملة في جملة لم تُقَل. فعدم الإفصاح عن الحب يتحول إلى حدث كوني يؤدي إلى اختفاء الربيع من دورة الفصول.
هنا تتجلى قوة التكثيف الشعري فالنص لا يحتاج إلى شرح أو سرد طويل لأن الصورة المركزية تؤدي وظيفتها كاملة. ويستثمر الشاعر الرمز التقليدي للربيع بوصفه معادلاً للحب والحياة والتجدد ليجعل غيابه نتيجة مباشرة للصمت العاطفي.
نص القصيدة الثالثة :
“(نسيتُ أن أقولْ
أحبك – ذات عام –
فتقلصت الفصولُ
إذ غاب فصل الربيع !)
رابعاً: جدلية الوهم واليقين في القصيدة الرابعة
تنطلق القصيدة من مفارقة نفسية:
(راق لها أن تبدد
أوهامها… باليقين)
غير أن هذا اليقين لا يقود إلى الطمأنينة بل إلى الضياع:
(فتاه عنها طريق الحب)
وكأن الشاعر يلمح إلى أن بعض الحقائق تكون أكثر إيلاماً من الأوهام نفسها. يستمر النص في بناء مشاهد حالمة:
(تتوق لأن تكون ندى
على أوراق أشجاره المثمرات)
فالمرأة هنا تسعى إلى الذوبان في الآخر إلى أن تصبح جزءاً من عالمه ورموزه الطبيعية. ثم تتصاعد الرومانسية عبر صورة الناي والظل والفراشة وصولاً إلى حلم السكينة:
(وغفت عند وسادة أحلامه
بلا وجل
وبلا ذاك الأنين)
لكن حرف الشرط (لو) يسبق هذه الصور ما يجعلها حلماً مؤجلاً لا واقعاً متحققاً ويعيد النص إلى دائرة التمني والافتقاد.
نص القصيدة الرابعة :
” راق لها…أن تُبدّد
أوهامها… باليقين
فتاه عنها طريق الحب
وراحت خطاها… تتعثر
بأذيال الحنين..
تتوق لان تكون ندى..
على أوراق اشجاره المثمرات
أو…تتهادى نغما
على آهات ناي..
لو..
لأمست نار ظله مثل فراشة
و غَفتْ عند وسادة أحلامه..
بلا وجل
و..بلا.. ذاك الأنين !!”
السمات الفنية العامة
1- هيمنة اللغة الوجدانية التي تنطلق من التجربة الشعورية أكثر من انشغالها بالحدث الخارجي
2- الاعتماد على الصورة الرمزية مثل: النجم.. الربيع.. القمر.. الندى.. الناي.. الفراشة.
3- حضور الزمن بوصفه خصماً للحب فالذكريات والغياب والندم تشكل المحرك الأساس للنصوص.
4- الاقتصاد اللغوي والتكثيف ولا سيما في القصيدتين الأولى والثالثة.
5- النزعة الرومانسية الحديثة التي تجعل الذات محور التجربة الشعرية وتبحث عن الخلاص عبر الحب والذكرى والحلم.
خلاصة
تكشف هذه القصائد عن شاعر يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل العاطفية الدقيقة ويجيد تحويل المشاعر اليومية إلى صور شعرية شفافة، فالحب عند حسن عبد الحميد ليس حدثاً عابراً بل حالة وجودية تتداخل مع الزمن والذاكرة والغياب. ومن خلال لغة رقيقة وصور موحية ينجح في بناء عالم شعري يفيض بالشجن الإنساني حيث يصبح الانتظار صلاةً والغياب حضوراً آخر ويغدو الربيع نفسه رهين كلمة حب لم تُقَل في موعدها.


+ There are no comments
Add yours