نمتار / محمد رشيد

الى كل وطني غيور يسهم في تنمية الانسان وبناء العراق.
في الوقت الذي تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية التي تواجه مؤسساتنا الوطنية، نجد أنفسنا أمام مفارقة مؤلمة تفرضها معايير الإنفاق الثقافي في العراق. لقد تابعنا مؤخراً حالة من الجدل الشعبي والصحفي اللاذع حول “مهرجان أدبي” أقيم قبل فترة، لم يترك أثراً يذكر في المشهد الثقافي، لكنه ترك خلفه فاتورة باهظة وصلت إلى 850 مليون دينار عراقي.
هذا الرقم، الذي أثار اعتراضات واسعة لعدم تناسبه مع المخرجات أو القيمة المضافة، يدفعنا للمقارنة – ليس من باب التباهي، بل من باب المسؤولية الوطنية – بما قدمناه وما زلنا نقدمه منذ عام ١٩٩٩ وحتى هذه اللحظة.

عندما نضع في كفة الميزان هذه الملايين المهدرة، ونقابلها بالمسيرة الحافلة التي شملت فعاليات [دار القصة العراقية ، مهرجان العنقاء الذهبية الدولي الرحال، مهرجان الهربان السينمائي المتجول ، برلمان الطفل العراقي، الجمعية العراقية للتسامح واللاعنف، إضافة إلى ثلاث دورات ناجحة لـ مؤتمر القمة الثقافي العراقي، وثلاث دورات لـ مؤتمر القمة الثقافي العربي]، ناهيك عن مهرجانات [يوم المثقف العراقي ونشاطات نادي المثقفين العرب]، فإننا نكتشف حقيقة صادمة: إن مجموع ما أنفقناه عبر أكثر من عقدين من الزمان، بحضور آلاف المثقفين والأدباء والفنانين والأطفال، لا يقترب إطلاقاً من كلفة ذلك “المهرجان اليتيم” واغلب المصروفات كانت ولا زالت من مالنا الخاص.
السؤال هو أين تكمن المعضلة؟ إنها ليست في المال، بل في “فلسفة الإدارة الثقافية”. نحن لم نعتمد على ميزانيات ضخمة، بل اعتمدنا على الإيمان بالرسالة والعمل التطوعي المنظم. وبينما تلاشت آثار تلك المهرجانات المكلفة بمجرد انتهاء فعالياتها، يظل إرثنا حياً وموثقاً. نحن نمتلك اليوم أرشيفاً وطنياً متكاملاً يتضمن مكتبة وثائق ورقية والكترونية، وسجلات منظمة للنشاطات ، ومجموعة من الفيديوهات وثقت كل لحظة إبداع وكل محفل ثقافي أقمناه، لتكون مرجعاً للأجيال القادمة.
إن الثقافة في العراق لا تحتاج إلى “أرقام فلكية” تذهب في دهاليز البذخ والشكليات، بل تحتاج إلى عقول نيرة مسؤولة تدير الموارد بحكمة، وإلى قلوب تخلص للوطن.

لقد آن الأوان لكي تراجع الجهات المعنية المتمثلة ب ( رئاسة الوزراء و مجلس النواب و رئاسة الجمهورية و وزارة الثقافة) آليات دعمها للمهرجانات والمؤتمرات الوطنية ، وأن تضع معايير واضحة للجدوى الاقتصادية والثقافية، بدلاً من إهدار المال العام في فعاليات يرفضها الشارع المثقف وتغيب عنها الرؤية الإبداعية.
نحن لا نطالب بالمال، بل نطالب بالعدالة في التقييم، والاحتفاء بالتجارب الوطنية التي أثبتت أن الإنجاز الحقيقي لا يقاس بحجم الميزانيات، بل بحجم الأثر المعرفي والانساني الذي نتركه في ذاكرة الأمة.




+ There are no comments
Add yours