نمتار / محمد صالح البدراني
ومضة:
يتساءل الكثر عن فقدان القيادة في نينوى، وعن ضعف انتماء بعض من يمثلها، ولماذا هذا التفاعل السلبي ولا دلائل على وجود تنسيق بين أهلها لكن مع ذات النتائج تعلم أين الحكمة، لن نجد ونحن نجيب إلا تخمينات لكن النفسية واحدة وان تباينت العقلية ويتميز فيها المنتمي إليها من غير المنتمي بوضوح له وللآخرين، ولست أدري إن كان للجغرافية أثر في تشكيل النفسية عبر العصور وان انقرض القوم وحل قوم محلهم لكن فهم واقع أهل نينوى من التاريخ قبل وبعد النبي يونس له دلالة أراها واقعا، وهذا يتطلب أولاً تفكيك شفرة “الجغرافيا النفسية” (Psychogeography) التي حصرت وعيهم بين سطوة الحديد في الأرض ورعب الطين في العالم السفلي.
المعتقد والتمدن:
لم تكن مدينة نينوى، عاصمة الإمبراطورية، مجرد تجمع سكاني، بل مركز القوة الأعظم في العالم القديم، غير أن وراء أسوارها الشاهقة وجبروتها العسكري، كان يختبئ مجتمع يعيش تناقضاً واقعياً حاداً، رسمته المكتشفات الأثرية والرُقُم الطينية بتفاصيل دقيقة لواقع أهل نينوى المرير قبل مجيء النبي يونس (ص)، والتحول الشامل الذي طرأ على واقعهم بعد إيمانهم.
واقع نينوى قبل يونس: مدنية الدم وحضارة الرعب
كان واقعا ينضح بالقسوة والاضطراب النفسي، على الصعيد الاجتماعي والسياسي، فالمجتمع كان مجتمعاً عسكرياً صارماً، انعكس هذا في فنونهم النحتية التي خلدت مشاهد الحروب، لقد اعتقدوا أن إلههم “آشور” يطالبهم بالتوسع الدائم وإخضاع الأمم بالقوة فهم في حرب دائمة، لكن هذه الصلابة من دوافع الاستنكار لكل مجهول لهم، ويمثل نوعا من الخوف ليس من الذي يخضعهم، بل الذي يقفون منه موقفا سلبيا في افضل الأحوال، فالرعب الميتافيزيقي دائم، كانت الشوارع والبيوت تضج بالطقوس السحرية لطرد الأرواح الشريرة ولعنات الإله “نمتار”، الخوف من الموت يسيطر على تفاصيل حياتهم؛ فالجميع يعتقد أن مصيرهم المحتوم هو الهبوط إلى العالم السفلي المظلم (إركالا)، ليتحولوا إلى أشباح جائعة تأكل الطين وتشرب الماء الآسن في مملكة الإله القاسي “نركال”، مكاناً مظلماً وموحشاً لا نجاة منه، حيث يتساوى فيه الملوك والعبيد، والأخيار والأشرار، ليتحولوا جميعاً إلى أرواح جائعة تقتات على الطين والغبار، لم يكن الموت في الفلسفة الآشورية بوابة للعدالة أو الثواب، بل كان سقوطاً حتمياً في عبودية أبدية تحت سطوة آلهة قاسية ومتقلبة المزاج، انه تصور لكل غامض عنهم غريب.
هذا التشاؤم سبب المتناقضات في النفس الواحدة اندفاع نحو الملذات المادية، وجمع الثروات تعويضاً عما سيلاقونه من نركال، مما أفرز مجتمعاً مادياً، متغطرساً، ومثقلاً بالخطايا، ومظالم أنتجت انفصاماً نفسياً؛ إقبالاً جنونياً على إعمار الدنيا وتشييد المادة الفارهة كنوع من التعويض والهروب، يقابله يأس روحي مطلق وتوقع دائم للمصيبة والغضب الإلهي، لقد كانوا أسياد الأرض، لكنهم كانوا غير متصالحين مع ذعرهم الداخلي، فكل غريب مريب وكل خارج الأسوار خطر، ليس خوفهم من آشور دان الثالث أو أداد نيراري الثالث، 800 ق.م فقادتهم مثلهم ومشاعرهم متشابهة، لكن قضيتهم كما قضية أهل الموصل اليوم هي الوضوح والشفافية وان يكون هنالك ثقة بالمآل.
مصداقية الداعية
قدّم يونس ع لأهل نينوى مفهوماً لم يعهده فكرهم من قبل: مفهوم “التوبة والرحمة المشروطة بالأخلاق”. لأول مرة، يدرك أهل نينوى أن الإله ليس كائناً سادياً يطلب العذاب لمجرد العذاب، بل هو إله يفتح باب الأمل، ويربط مصير الإنسان بعمله، وعدالته، ورد المظالم، تحول الخوف هنا من “ذعر حتمي مشل” إلى “خوف إيجابي دافع للإصلاح”، لم يعد الموت نهاية مظلمة في عالم الطين، بل صار انتقالاً خاضعاً لعدالة إلهية ورحمة سماوية تتسع لكل تائب، هكذا شُفيت نينوى من فصامها النفسي، ليتصالح طموحها المادي في الدنيا مع أملها في الآخرة لقد كسر يونس ع حتمية “نمتار” الجافة بالإله الرحيم الذي يغفر، وقدّم لهم لأول مرة مفهوماً غريباً عليهم” الرحمة المشروطة بالأخلاق”، أدرك أهلها أن مصيرهم مرتبط بسلوك أخلاقي وعقدي مرن؛ لكن، بعد أن تأكدوا من مصداقية من دعاهم.
استجابتهم للفكرة وليس للشخص:
لم يستجب أهل نينوى في البدئ إلى يونس فهم لا يزرعون أفكار الآخرين وإنما تفكيرهم منهم، لم يتآمروا عليه ليقتلوه، ولكن عزلوه كما هم اليوم يعزلون أي غريب، ولا استجابوا له من غير اتفاق كما هو طبعهم اليوم، فأحس أن مهمته انتهت وغادر مغاضبا، فلتقمه الحوت، لكن عندما أدركوا آيات صدقه نجد الاستجابة الجماعية للفكرة وليس للشخص السريعة والفريدة؛ التي ذكرها الله في كتابه بما لم تفعله أمة إذ يذكر التاريخ والقرآن أنهم الأمة الوحيدة التي آمنت بكاملها فكُشف عنها العذاب، لقد التقطوا رسالة يونس كطوق نجاة وجودي، فصاموا، ولبسوا المسوح، وأعادوا الحقوق لأصحابها، فكان هذا السلوك الجماعي بمثابة إعلان رسمي عن موت “نركال ونمتار” في ضمائرهم، وكذلك هم اليوم.
ثناء إلهي وتزكية خالدة:
هذا التحول السلوكي الجذري لم يكن مجرد خبر تاريخي عابر، أو مناورة نفاق جمعي لدفع الضرر؛ بل نموذج الصدق النموذجي خالصاً استحق أن يُخلده الله تعالى بـثناء إلهي استثنائي لم تحظَ به أمة سواهم في السجل القرآني، لقد جعلهم الخالق النموذج الأسمى للتوبة والوعي الجماعي، وأوقف عقاب منظومة عقلية نجحت، وجاء المدح ليضعهم في كفة وبقية أمم الأرض في كفة أخرى؛ ومن المنظور الفلسفي والعقدي، فإن هذه التزكية الإلهية تحسم الكثير؛ فالنفس البشرية التي صُبغت بالسكينة التوحيدية التي أثنى عليها رب العزة، حولت واقع نينوى من مجتمع يعيش “فصاماً وجودياً” (طموح مادي أعمى مقابل يأس روحي مظلم) إلى مجتمع متصالح مع ذاته فالموت لم يعد سقوطاً في مستنقع نركال المظلم، ولا فناء، بل صار عبوراً آمناً نحو رحمة إلهية تعد بالمستقبل والخلود.
خاتمة:
صحيح أن التحالف الميدي البابلي 622ق.م اغلق صفحة نينوى بإبادة وحشية، لكن قصة نينوى يجب أن تفهم ليفهم أهلها، أحبهم أو كرههم أولوا الأهواء، هم لا يحتاجون قائدا متصدرا، ولا يسيرون بعقل القطيع، وإنما يريدون حمل الرؤية والمنهج عندها ستجد أن الكل في مهمته زعيم قيادتهم المصداقية والسلامة في المنهج وهم واحد في النظرة والتفكير، أما بغيرها فلا يجتمع القوم وان اجتمعوا.


+ There are no comments
Add yours