لماذا عادت السويد إلى التعليم التقليدي وابعدت الذكاء الاصطناعي ؟

نمتار / السويد / د. حسين الانصاري

حين توسع استخدام التقنيات الحديثة بفعل التحول الرقمي وما تبعه من استخدامات طالت مختلف جوانب الحياة ومنها التعليم الاساس  الذي يشكل المراحل المهمة في بناء الإنسان والتنمية المستدامة ،لكن رغم ما يتوفر عليه هذا النظام من مميزات إلا انه يحمل بداخله من التأثيرات السلبية والمخاطر الكثير  وهذا  ما  انتبهت اليه بعض الدول التي تعد متقدمة جدا في الثقافة الرقمية  كالسويد مثلا  اذ بعد سنوات من استخدام التعليم الالكتروني  وتوظيف الأجهزة اللوحية والتطبيقات التعليمية  والشاشات  في التدريس قررت ان تعود  إلى الطريقة التقليدية، التي تعتمد على الكتب المادية والكتابة اليدوية، خاصة في المراحل المبكرة. ولكن ماذا اكتشفت السويد  كي تتخذ هذا القرار  الغريب والصادم للبعض.!

إذا عرفنا الدوافع  سوف تزول الغرابة فما حذر منه  العالم البريطاني الكندي (جيفري هينتون )  الذي يعد  عراب الذكاء الاصطناعي والرائد في التعليم الآلي باستخدام الشبكات العصبية والفائز بجائزة نوبل مناصفة مع العالم جون هوبفيلد لانجازاته العلمية في هذا المجال فقد حذر هنتون من استخدام الأجهزة الرقمية  التي  لاتدع الطالب الصغير ان يفكر بعمق او يتخيل  كونها تهيمن بصمت على عقل وخياله.

فعندما يمسك طفل في الصف الأول بلوح إلكتروني مدعوم بالذكاء الاصطناعي فهنا  يتقيد العقل بما يمليه الذكاء الاصطناعي ، اذ لم تعد الكتابة معنى حركيا ابداعيا بل مجرد تمرير اصبع فوق الازرار .

ولم يعد الخطأ تجربة تعليمية غنية، بل تصحيحا فوريا من الخوارزمية ولم يعد التخيل الذي يعتبر ثروة الإنسان ضرورياً، لأن المحتوى يقدم جاهزا  عبر حزم بيانات مسطحة ودون اي تفكير او انفعال ،وهذا هو الخطر الجسيم ، لأن هناك جيل كامل يربى على أن التفكير عملية يديرها شخص آخر، وأن الخيال ليس سوى اجترار لما تقدمه له الآلة. هذه المؤشرات أوصلت المشرفين على التعليم في السويد إلى تحديد ادلة مفادها إن استخدام الرقمنة المبكرة ينتج عنه تردي في المهارات الأساسية  و تراجع حاد في فهم المقروء والفهم العميق بين طلاب المرحلة الابتدائية منذ البدء بالرقمنة المكثفة وكذلك ضعف ملحوظ في الإملاء وتنظيم الأفكار كتابيا إلى جانب الصعوبات المتزايدة في التركيز والاحتفاظ بالمعلومات  ، كل هذا  سببه تأثير التحميل المعرفي الزائد الناتج عن الشاشات. لهذا جاءت المطالبة الضرورية  بالعودة إلى الكتاب الورقي والسبورة الطباشيرية لإعادة بناء الوعي المعرفي قبل أن تفقده السويد للأبد. وما توصلت اليه كشف الكثير من المخاطر في التعاطي مع الرقمية الزائدة التي تجعل  الجيل من الناشئين مدمنا على الخوارزميات وان الذكاء الاصطناعي ليس أداة حيادية بل إنه مُصمم عن قصد أو بغير قصد للاستحواذ على الانتباه لأطول فترة ممكنة  لغرض تحقيق أهداف فكرية او تجارية أو سياسية ، انه يقوم  بتبسيط كل الاسئلة مهما بلغ تعقيدها  إلى حلول جاهزة وهذا يتعارض  تماما  مع التفكير النقدي كونه يلغي  عامل التخيل والانفعال   لأن الآلة يمكنها أن ترسم وتكتب وتؤلف بدلا من المستخدمين. وبالتالي يتحولون إلى بشر مستهلكين غير قادرين على إنتاج فكرة اصلية   . امام كل هذه التحديات والمخاطر  دفعت بالسويد  إلى إعادة النظر بكيفية التعامل مع افرازات التحول الرقمي ومعطيات الذكاء الاصطناعي لخلق حالة من التوازن بين دور الانسان  والآلة . بما يعيد المهارات الأساسية لفئة الأطفال في التعليم المبكر  بعيدا عن  الشاشات الالكترونية حتى عمر عشر سنوات ،  وهذا يتطلب العمل على نشر ثقافة جديدة  حول كيفية الاستخدام  للأجهزة الرقمية  بطريقة ذكية وناقدة.

اي تعليم الأطفال كيف تعمل الخوارزميات، دون ان تستغلهم وتجرهم إلى حالة الادمان ، وضرورة اعتماد  طرق  محددة  تميز  وتفصل بين الذكاء الاصطناعي و اختيار  الطرق الإبداعية والإنسانية الحساسة  اي أبعاد الذكاء الاصطناعي في تصميم المناهج التربوية والوطنية ، وهذا  يتطلب  ايجاد فضاءات  وأوقات خالية من الشاشات” في المدارس والمنازل لفترات إجبارية  دون أي أجهزة رقمية، لممارسة الحوار، والقراءة الورقية، والكتابة اليدوية، واللعب التخيلي الذي يعتبر عاملا ضروريا لصيانة الدماغ البشري وتطويره. وفي الوقت ذاته ينبغي إعادة النظر  في استخدام  المعطيات التقنية كوسائل مساعدة  وليست بديلاً عن العقل الإنساني. فالتقدم الحقيقي هو أن نصنع آلات تخدم الإنسان لا تستعبده. من اجل  هذا  قررت السويد  وبكل تقدمها التقني  ان تعود  إلى الأصول التعليمية التقليدية بعد ان أدركت فجوة حقيقية في التعليم الأساسي  لان الرقمنة بدون حكمة تساوي عبودية رقمية. هذه العودة ليست تراجعا بل تطوراً مدركا للمخاطر. والتأثيرات السلبية  ، فهل  تحذو  بقية الدول  بذات الاتجاه ، ام أننا سننتظر حتى يصبح أطفالنا مجرد  مستهلكين لأدوات جاهزة وعبيدا لخوارزميات  لا تفهم، ولا تشعر، لكنها توجه  الأفكار وتتحكم بالعقول ؟

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours