اليقظة الرقمية وعي متأخر في زمن السرعة الإلكترونية
نمتار/ عماد آل جلال
ثمة مفارقة يصعب تجاهلها في المشهد العراقي المعاصر، فالتكنولوجيا انتشرت على نطاق واسع، بينما بقي الوعي الرقمي يتحرك بخطى أبطأ بكثير. يكفي تأمل الحياة اليومية في المدن العراقية لاكتشاف حجم هذا التحول: هواتف ذكية في كل مكان، منصات تواصل تفيض بالنقاشات، معاملات مالية بدأت تغادر الورق، وأخبار تتحرك بسرعة تفوق قدرة الناس على التحقق منها. غير أن هذا الاتساع التقني لم ينتج بالضرورة مجتمعاً أكثر وعياً بما يجري داخل الفضاء الرقمي.
هنا يبرز مفهوم “اليقظة الرقمية” بوصفه واحداً من المفاهيم الأكثر التصاقاً بتحولات العصر. والمقصود بها ليس المعرفة التقنية المجردة، بل امتلاك حس نقدي تجاه المعلومات والتطبيقات والمنصات والرسائل التي تتدفق بلا توقف عبر الشاشات. إنها قدرة الفرد والمجتمع على الانتباه لما يُقال وكيف يُقال ولماذا يُقال.
في العراق، تبدو الحاجة إلى هذا النوع من الوعي مضاعفة. فالمجتمع يعيش منذ سنوات داخل فضاء سياسي وإعلامي شديد الاضطراب، الأمر الذي جعل المنصات الرقمية تتحول إلى ساحات تأثير يومي في الرأي العام. وخلال الأزمات السياسية أو الأمنية تحديداً، يصبح الهاتف المحمول أشبه بغرفة عمليات مفتوحة: إشاعات، تسريبات، مقاطع مجتزأة، أخبار عاجلة مجهولة المصدر، وصور تنتشر قبل معرفة سياقها الحقيقي.
اللافت أن المشكلة لا تكمن في وفرة المعلومات، بل في غياب آليات فرزها. فالكثير من المستخدمين يتعاملون مع المحتوى الرقمي كحقيقة جاهزة، لا مادة تحتاج إلى تمحيص. وهكذا تتسع مساحة التضليل، ليس لأن المجتمع يفتقر إلى وسائل الاتصال، بل لأنه لم يطور بعد ثقافة رقمية قادرة على مقاومة الانفعال اللحظي.
هذه الهشاشة لا تخص الأفراد وحدهم. فجزء من المؤسسات العراقية ما يزال يتعامل مع الأمن الرقمي بوصفه ملفاً تقنياً محدوداً، رغم أن المسألة باتت تمس الاقتصاد والإدارة والسياسة وحتى الاستقرار الاجتماعي.
وفي المجال الإعلامي تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالصحافة العراقية تواجه بيئة رقمية مزدحمة وسريعة الإيقاع، حيث يتراجع التحقق أحياناً أمام ضغط السبق والانتشار. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف البصري والصوتي، يصبح التمييز بين الحقيقي والمفبرك أكثر صعوبة، خصوصاً في مجتمع يعيش توترات سياسية دائمة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة قاتمة بالكامل. فهناك اهتمام متزايد بالأمن السيبراني داخل المؤسسات الرسمية، كما بدأت الجامعات والدوائر البحثية تلتفت إلى قضايا التحول الرقمي والسيادة المعلوماتية.
غير أن بناء اليقظة الرقمية لا يتحقق عبر التحذيرات العابرة أو الحملات الموسمية. المسألة تحتاج إلى إعادة نظر في الثقافة التعليمية والإعلامية نفسها. فالمواطن الرقمي لا يُنتج عبر امتلاك الأجهزة الحديثة، بل عبر تنمية مهارات التفكير النقدي، وفهم آليات التأثير الإلكتروني، والقدرة على قراءة المعلومات خارج ردود الفعل العاطفية.
وفي بلد اعتاد طويلاً على الصراعات السياسية والإعلامية، تبدو اليقظة الرقمية اليوم أقرب إلى ضرورة ثقافية لحماية الوعي العام من الفوضى التي تنتجها السرعة الإلكترونية حين تعمل بلا ضوابط معرفية أو نقدية.




+ There are no comments
Add yours