قراءة في كتاب “كيسنجر وبريجينسكي: ترست الأدمغة والاستراتيجية الأمريكية”
العتبة التصديرية وبيانات الكتاب الفنية
• عنوان الكتاب: كيسنجر وبريجينسكي: ترست الأدمغة والاستراتيجية الأمريكية.
• المؤلف: المفكر والباحث الأكاديمي والحقوقي الدكتور عبد الحسين شعبان، وهو من أبرز أعلام الجيل الثاني من المجددين العراقيين وصاحب ما يزيد عن ثمانين مؤلفاً فكرياً وحقوقياً وسردياً.
• بيانات النشر: دار الرافدين، بغداد – العراق، الطبعة الأولى: يناير – كانون الثاني، 2024 م (عدد النسخ: 1000 نسخة).
• غلاف الكتاب: لوحة الغلاف مأخوذة من أعمال الفنان عمران القيسي.

أولاً: المقاربة التمهيدية ومفهوم “ترست الأدمغة” (Brain Trust)
يفتتح الدكتور عبد الحسين شعبان هذا السفر الفكري بتشريح دلالي وبنيوي لمصطلح “ترست الأدمغة” أو “مجمع العقول”. ويبين المؤلف أن هذا المفهوم لا يشير إلى مجرد تجمع أكاديمي معزول، بل يمثل عصب “المطبخ السياسي والسرّي” للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وجهازها الأمني والاستخباراتي. وقد تعاظم دور هذه المراكز البحثية والدراسية بشكل استثنائي منذ ستينيات القرن العشرين في عهد الرئيس جون كينيدي بالارتباط الوثيق مع الثورة العلمية-التقنية والمجمع الصناعي-الحربي.
يهدف المؤلف من خلال هذه القراءة الارتجاعية والنقدية العميقة إلى دراسة الكيفية التي صِيغ بها العقل الاستراتيجي الأمريكي، وكيف تم توظيف العلوم الاجتماعية والتكنولوجية المعاصرة للدفاع عن النظام الرأسمالي الإمبريالي، وصياغة آليات “الحرب النفسية والناعمة” لاختراق وتفكيك المنظومات المناوئة للولايات المتحدة.
ثانياً: كيسنجر وبريجينسكي و”غواية الموقع” (السيرة والمسار والتنافس الصامت)
تحت مسمى “غواية الموقع”، يعقد المؤلف موازنة سيكولوجية وجيوسياسية غاية في الدقة بين عملاقي الاستراتيجية الأمريكية:
1. هنري كيسنجر: عرّاب الواقعية والميكافيلية الجديدة
• النشأة والتكوين: ولد باسم “هاينز كيسنجر” في مدينة فورت الألمانية عائداً لأسرة يهودية من الطبقة المتوسطة فرت من الاضطهاد النازي عام 1939 إلى نيويورك وهو في الخامسة عشرة من عمره. تميز في شبابه بميله للوحدة والانعزال لشعوره بالاغتراب كـ “شخص هامشي”.
• المسار الأكاديمي: تأثر بشخصيتين حددتا ملامحه المستقبلية هما فيتز كريمر والأستاذ وليم إليوت. كانت أطروحته للدكتوراه بجامعة هارفارد بعنوان “معنى التاريخ” وتأملات في فلسفة شبنجلر وتوينبي وكانط؛ وجاءت في 388 صفحة (35 ألف كلمة)، لتصبح أطول رسالة في تاريخ الجامعة، ووُضع على إثرها حد أعلى لطول الأطروحات عُرف بمقياس كيسنجر (Kissinger Standard).
• الصعود السياسي: مهد له كتابه الأول “الأسلحة النووية والسياسة الخارجية” (1957) الدخول إلى البيت الأبيض ودوائر السلطة وصياغة نظرية “الاكتفاء بدلاً من التفوق”. تميز بوصفه وزيراً للخارجية ومستشاراً للأمن القومي غير تقليدي في ظل حكومة نيكسون وفورد، واعتمد على ثالوث مرجعي (الجناح الليبرالي للحزب الجمهوري، المؤسسة الأكاديمية في الساحل الشرقي، واليهود ذوي الأصول الألمانية). حاز على جائزة نوبل للسلام عام 1973 وسط جدل واسع واستقالة عضوين من اللجنة، ورحل عن العالم في 29 نوفمبر 2023.
2. زبيغنيو بريجينسكي: مهندس الجغرافيا السياسية والصقر الجريح
• النشأة والتكوين: ولد عام 1928 في بولونيا لأسرة أرستقراطية كاثوليكية، وعاش جزءاً من طفولته في كندا حيث كان والده دبلوماسياً. تزوج من حفيدة آخر رئيس لجمهورية تشيكوسلوفاكيا (إدوارد بنش). حملت رسالته للماجستير عنوان “القومية الروسية – السوفيتية” وركزت مبكراً على عدم تماسك الاتحاد السوفيتي بسبب الهيمنة الروسية.
• السمات والمنهج: أسس معهداً لدراسة الشؤون الشيوعية في جامعة كولومبيا. أطلق عليه البعض مصطلح (Dawk) لجمعه المتناقض بين الصقر (Hawk) والحمامة (Dove). شغل منصب مستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر (1977 – 1981). امتازت كتاباته بالعداء الشديد والشرس للشيوعية، وهو ما يفسره المترجم محجوب عمر بعقدة الأقلية والرغبة في “التأمرك” والتعويض السيكولوجي كونه بولونياً كاثوليكياً أرستقراطياً وسط نخبة أمريكية بروتستانتية. عارض احتلال العراق عام 2003 ووصفه بالفضيحة التاريخية والأخلاقية، ورحل في 26 مايو 2017.
نقاط الالتقاء والافتراق: على الرغم من المنافسة الشديدة والكراهية الصامتة التي نبتت بين الرجلين منذ زمالة الدكتوراه في هارفارد، إلا أنهما يلتقيان حول هدف واحد وهو تأكيد الدور الريادي للهيمنة الأمريكية، وصياغة نظرية “الاستقطاب العالمي الجديد” وتجاوز نظام القطبية الثنائية عبر “التعددية العالمية الخلاقة”.
ثالثاً: ترست الأدمغة ونظريات الصراع الأيديولوجي (تشريح أدوات الحرب الناعمة)
يفكك القسم الثاني من الكتاب الترسانة الفكرية والنظريات التي روجت لها مراكز الأبحاث الأمريكية لزعزعة الخصوم واختراق المجتمعات من الداخل:
1. نظرية بناء الجسور: وهي المنظومة المحورية التي تقوم على التزاوج بين المكتسبات الاقتصادية ووسائل التأثير الناعم؛ حيث تعبرها السلع والأفكار والسياح لتطويق الخصم وعزله وتغيير طرائق تفكيره وسلوكه الاستهلاكي.
2. نظرية المجتمع الصناعي والتقارب والالتقاء: التي ابتكرها الاقتصادي غالبرايت وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون، ومفادها أن التطور التقني والصناعي سيلغي الفروق تدريجياً بين الأنظمة الاشتراكية والرأسمالية، ليندمج العالم في “مجتمع مهجن ومستهلك” يلتقي في منتصف الطريق.
3. مفاهيم مجتمع الازدهار والرفاه: ترويج مصطلحات براقة مثل “الرأسمالية الشعبية” و”المجتمع المنظم” لإيهام الجماهير بأن الرأسمالية تجاوزت أزماتها الهيكلية وصارت نموذجاً صالحاً للبشرية.
4. نظرية البيان اللاشيوعي ومراحل النمو: التي صاغها والت روستو (مستشار كينيدي وجونسون)، مقسماً التطور البشري إلى خمس مراحل اقتصاديّة، واصفاً الشيوعية بأنها عائق أمام دخول الاتحاد السوفيتي إلى “مملكة الوفرة والاستهلاك الاجتماعي العالي”.
5. نظرية التفريغ الأيديولوجي و”موت الأيديولوجيا”: بدأت بمؤتمر الحرية الثقافية في ميلانو (1955) بزعامة إدوارد شيل، وكتاب آرون “أفيون المثقفين”، وكتاب دانيال بيل “نهاية الأيديولوجيا”؛ وحاولت هذه النظريات إثبات أن العلم والتكنولوجيا هما البديل عن السياسة والأيديولوجيا العقائدية. وقد جابه هذه الأفكار من موقع اليسار الجديد عالم الاجتماع ميلز وهنري أيكن اللذان اعتبراها إفلاساً ثقافياً ونزعاً لسلاح الغرب.
6. نظرية التآكل والتدرج: وكان لبريجينسكي سهم وافر فيها، وهي تراهن على تآكل المبادئ الاشتراكية والوطنية عبر الضغوط السياسية والنفسية المتوغلة في العمق الاقتصادي والاجتماعي.
رابعاً: بريجينسكي ونظرية ضابط الإيقاع العالمي (رقعة أوراسيا والفخ الأفغاني)
ينبش المؤلف في التخطيط الجيواستراتيجي لبريجينسكي الذي يرى أن الولايات المتحدة هي القوة الأحادية الكونية الأولى التي لا تضاهى، مستندة إلى أربعة عناصر: (العسكرية، الاقتصادية، النموذج الثقافي الجاذب، والنموذج السياسي الديمقراطي). ومن هنا برزت تنظيراته الجيوسياسية الأساسية:
• الفخ الأفغاني وتأسيس “الجهادية الإسلامية”: يكشف الكتاب كيف خطط بريجينسكي لاستدراج الاتحاد السوفيتي للمستنقع الأفغاني عام 1979 في عملية سرية عُرفت باسم “عملية سيلكون”؛ حيث قام بزيارات لدول المنطقة لتعبئة وتجنيد متطوعين مسلمين لمحاربة “الشيوعية الملحدة” برعاية الـ CIA، مضحياً بالاستقرار الإقليمي من أجل استنزاف موسكو وتلقينها “درس فيتنام القاسي”. ونتج عن هذه السياسة نشوء تنظيمات القاعدة و”داعش” وأخواتها لاحقاً.
• نظرية قوس الأزمات والحزام الأخضر: توظيف الحركات الأنظمة الإسلاموية لكبح جماح اليسار والقوى القومية العروبية، والدعوة لتفكيك النظام الإقليمي العربي وإعادة تشكيله على أسس عرقية وطائفية.
• أوراسيا وقلب العالم ونبوءة أوكرانيا: مقتفياً أثر الجغرافي ماكيندر، يرى بريجينسكي أن أوراسيا هي رقعة الشطرنج الكبرى ومن يسيطر عليها يحكم العالم. وفي عام 1994 صاغ بريجينسكي نظريته حول أوكرانيا باعتبارها “الخاصرة الضعيفة أو البطن الرخوة” لروسيا؛ مؤكداً أنه إذا سيطرت روسيا على أوكرانيا ستعيد بناء إمبراطوريتها القومية على الفور، وهو ما يشكل المفتاح التفسيري لحرب روسيا على أوكرانيا عام 2022 م.
خامساً: كيسنجر مستعاداً: القوة والدبلوماسية وسياسة الخطوة-خطوة
في القسم الأخير، يستعيد الدكتور عبد الحسين شعبان البنية الفلسفية والتكتيكية لـ “الثعلب العجوز” كيسنجر، مبيناً أن استراتيجيته قامت على ثلاثة أركان:
1. نظرية الحرب المحدودة: التنسيق الدائم بين العمل الحربي والنشاط الدبلوماسي مع توفر القدرة على ممارسة ضغوط بديلة عن التدمير الشامل.
2. نظرية الترابط (Linkage): ربط المشكلات الدولية المعقدة ببعضها ورهن حلولها بالتوازن الكوني بين القوتين العظميين.
3. نظرية الدومينو: منع تمدد الحكومات المناوئة لمصالح واشنطن خوفاً من تساقط الدول المجاورة كأحجار الدومينو.
هندسة الاستقرار في الشرق الأوسط:
تأثر كيسنجر بالدبلوماسي النمساوي مترنيخ واللورد كاسلريه؛ فآمن بأن “السلام” مسألة إشكالية والهدف الحقيقي هو “الحفاظ على النظام والاستقرار عبر توازن القوى وضمان شرعيته وقواعده”. طبق كيسنجر هذا المنهج في الشرق الأوسط عبر دبلوماسيته المكوكية المعروفة باسم “دبلوماسية الخطوة – خطوة” (Step by Step)؛ وهدفها الأساسي هو كسب الوقت، والتدرج الحذر، وتمكين إسرائيل من بناء قدراتها والخروج من عزلتها، ودفع العرب للاستنزاف والتعب.
نجح كيسنجر في إخراج مصر (أكبر دولة عربية) من الصراع المباشر عبر معاهدة كامب ديفيد والصلح المنفرد. لكن هذه السياسة أغفلت الجوهر الحقيقي للصراع المتمثل في حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، مما جعل نظام كيسنجر الإقليمي هشاً وقابلاً للانفجار المستمر، وهو ما تجسد تاريخياً في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وآخرها عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023 م وما تلاها من تداعيات دموية.
سادساً: الملاحق الإضافية (بصمة الثعلب وشهادة طارق يوسف إسماعيل)
أثرى المؤلف طبعات كتابه بإلحاق إضمامتين توثيقيتين فريدتين:
1. إضمامة “بصمة الثعلب العجوز”: مقال نقدي كتبه شعبان فور رحيل كيسنجر (ديسمبر 2023)، يلخص فيه المجالات الدولية الأربعة التي لمع فيها (الفيتنام، الانفتاح على الصين، الانفراج الدولي، ومسار التسوية في الشرق الأوسط) متطرقاً إلى الجانب المظلم لكيسنجر واتهامه بارتكاب جرائم حرب وتسهيل الإبادة الجماعية في كمبوديا وتيمور الشرقية ودعم فرق الموت في أمريكا اللاتينية.
2. رسالة البروفيسور طارق يوسف إسماعيل: أستاذ العلوم السياسية بجامعة كاليغاري الكندية، والذي قدم شهادة أكاديمية وشخصية حية كونه درس على يد الرجلين وعاشرهما عن قرب. ويكشف إسماعيل في رسالته عمق الكراهية والمنافسة الحزبية والوجودية الشرسة بين كيسنجر وبريجينسكي منذ عهد دراستهما في هارفارد؛ حيث كان كيسنجر الألماني ينظر باستعلاء واحتقار مبطن لأبناء أوروبا الشرقية، بينما كان بريجينسكي البولوني مخلصاً لعقيدته الكاثوليكية وبلده الأم ومسكوناً بكره الحقبة الستالينية الدموية التي عاصرها في طفولته بموسكو.
سابعاً: المقاربة الختامية وأنسنة الفعل السياسي
ينتهي الكتاب بـ “عوضاً عن الخاتمة”، ليؤكد الدكتور عبد الحسين شعبان أن السياسة الخارجية ليست مجرد ردود أفعال ارتجالية، بل هي علم ومعرفة وثقافة متراكمة. ويستشهد المؤلف بنصيحة المهندس الأول للحرب الباردة جورج كينان الذي دعا إلى اتباع طريقة “البستاني” لا طريقة “الميكانيكي” في معالجة الشؤون الخارجية؛ فالقضايا الدولية كائنات حية تنمو وتتحرك وتتغير سيكولوجيتها وصداقاتها ولا يمكن حصرها في قوالب صلبة أو معالجات خشنة.
خلاصة القول:
يعد كتاب الدكتور عبد الحسين شعبان بوصلة فكرية وثقافية رفيعة المستوى؛ فمن خلال لغته الرصينة والمنمقة، نجح في نزع الهالة الأسطورية عن “ثعالب وصقور” السياسة الأمريكية، مقدماً تشريحاً علمياً صارماً لبنية الهيمنة الإمبريالية، وواضعاً أمام القارئ وصناع القرار دليلاً معرفياً لاستيعاب دهاليز السياسة الدولية المعاصرة واستشراف منعرجاتها المستقبلية الحادة


+ There are no comments
Add yours