رحل الصائغ من غربة الى غرية !

نمتار / كتب علي حسين 

رحل صادق الصائغ غريباً عن بلادٍ كتب لها عشرات قصائد الشوق والمعاناة، وقبله بأكثر من ستين عاماً رحل السياب غريباً. ضمت قائمة الغرباء أسطوات الثقافة العراقية .

عانى صادق الصائغ، مثل الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة؛ تارةً هارباً من القمع وقسوة التسلط، وتارةً من جحود الوطن الذي أغلق الباب بوجهه في السنوات الأخيرة:

كلما صرخت:

النجدة!!

أغلق الباب.

عندما أسترجع في ذهني الآن صورة صادق الصائغ، الفتى الوسيم المتعدد الاهتمامات: الشعر، الرسم، الخط، السينما، الصحافة، أتذكر أبيات قصيدته الشهيرة “هنا بغداد :

مَدينَةٌ من أجْمَل مُدُن العَالَمِ

وَمَعَ أنَّهَا، للتَّوِّ، ضُربَت بالقنابل

وسُحِقَتْ تَحتَ الأقْدام،

كما تُسْحَقُ سَاعةٌ مُعَطَّلةْ

لكنَّها،

وكَما لَو لتَّوهَا وُلِدَتْ.

ظل صادق الصائغ حتى الساعات الأخيرة من حياته يدق باب الوطن، ينتظر من يفتح له الباب، لكن الوطن كان مشغولاً بتنمية ثروات أصحاب الصوت العالي والسلاح ومثيري النعرات الطائفية. كان صادق الصائغ مغرماً بما يقدم سواء في الشعر، أو المسرح أو السينما أو التشكيل أو المواقف الحياتية، يعتقد أن الثقافة والفن سيصنعان بلداً يكون ملكاً للجميع، وإنساناً يبذر المحبة والرفاهية، عاش حياته التي قاربت التسعين يحلم ببلاد تنشد المستقبل، فإذا بساسة الصدفة الذين أطبقوا على أنفاس الناس والعباد منذ عقود يصرون على أن يستبدل العراق التنمية والعدالة الاجتماعية بالانتهازية واللصوصية، وأن يخلع العراق ثوب الحياة برداء الخراب والفضيلة الزائفة، يتبارون، ساسة مهنتهم الوحيدة ذبح السعادة والفرح ووأدهما في مقبرة الظلام.

وأستعيد مع غياب الصائغ ، صورة الفتى الوسيم الذي يغوص في أزقة بغداد، يحمل الأوراق والحبر ليخط عناوين مجلة السينما التي أصدرها كاميران حسني في خمسينيات القرن الماضي، وتلوح لي صورته وهو يطل من على شاشة تلفزيون العراق في السبعينيات، يقدم قصائد عراقية وعربية بطريقة سينمائية، ونظراته الفاحصة تتابع يوسف العاني يؤدي شخصية البيك في المسرحية الشهيرة “البيك والسايق” التي أعدها الصادق عن إحدى مسرحيات بريشت، أو حواراته التي كانت تنتهي بالخصام أحياناً مع جعفر علي الذي كتب له سيناريو فيلم “المنعطف”، أو حالة الوجع التي تتلبسه وهو يتذكر معاناة خاله فنان الشعب “عزيز علي”. عندما أسترجع في ذهني الآن كل هذه الصور التي شكلت شخصية صادق الصائغ، سأكتشف أن هناك صورة واحدة سنظل نتذكرها؛ صورة المثقف الوطني المتمرد الذي قال ذات يوم: “لا أنافس أحداً سوى نفسي”.

عاش صادق الصائغ حالماً بالغد ولم يكن يدري أن الموت يتربص به ليرحل وحيداً على أمل أن يتحقق الوعد الذي قطعه للأصدقاء:

وعد

إذا طَلَبـُتُ المَوْت

فَلأنِي أعْرف

أنِّي سَأسْتَيْقِظُ عَلى حُلُمٍ آخر

سأتحلل فيه إلى ماء وظل

ومع قطرات المطر

أنزل إلى جذور الأرض أنزل

كَموسِيْقا

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours