نمتار / حنان بديع
في عالمٍ يفاخر بتقدّمه، وتُرفع فيه شعارات حقوق الإنسان والحيوان، تظل هناك زوايا مظلمة تكشف هشاشة هذا التقدم، ومن أكثرها قسوةً تجارة لحوم الكلاب؛ تلك الظاهرة التي لا تعكس فقط أزمة أخلاقية، بل انهيارًا عميقًا في مفهوم الرحمة ذاته.
تشير التقديرات إلى أن نحو 30 مليون كلب يُقتلون سنويًا من أجل الاستهلاك البشري، معظمهم في دول آسيوية مثل الصين، فيتنام، إندونيسيا، وكمبوديا،
لكن الأرقام، رغم قسوتها، لا تنقل الحقيقة كاملة؛ فخلف كل رقم حكاية ألم، وكل كلب في هذه التجارة ليس مجرد “لحم”، بل كائن عاش خوفًا طويلًا قبل نهايته.
في كثير من الحالات، لا يتم تربية هذه الكلاب بشكل نظامي، بل يتم سرقتها من المنازل أو جمعها من الشوارع، ثم حشرها في أقفاص ضيقة، أحيانًا يصل عددها إلى أكثر من ألف كلب في شاحنة واحدة.
رحلة النقل وحدها تتحول إلى مأساة: جوع، عطش، كسور، وأمراض… قبل أن تبدأ المرحلة الأسوأ..
تُظهر تقارير منظمات الرفق بالحيوان أن طرق قتل الكلاب في هذه التجارة غالبًا ما تكون عنيفة وغير إنسانية، مثل الضرب أو الحرق أو الصعق، في ظروف تفتقر لأبسط معايير الرحمة.
هذه الممارسات لا تعكس فقط غياب القوانين، بل غياب الشعور بالمسؤولية تجاه كائن حي يشعر ويتألم ، وفي بعض الحالات، ترتبط هذه التجارة بمعتقدات خاطئة، مثل أن لحوم الكلاب تمنح القوة أو تعالج بعض الأمراض، وهي ادعاءات لا تستند إلى أي أساس علمي.
المفارقة المؤلمة أن هذه التجارة لا تهدد الحيوانات فقط، بل البشر أيضًا فمنظمة الصحة العالمية حذّرت من أن هذه الممارسات قد تسهم في انتشار أمراض خطيرة مثل داء الكلب والكوليرا، نتيجة نقل الحيوانات دون رقابة صحية وذبحها في بيئات غير نظيفة.
أي أن انعدام الإنسانية هنا لا يضر بالحيوان وحده، بل يرتد على الإنسان ذاته رغم أن استهلاك لحوم الكلاب يُعتبر تقليدًا محدودًا في بعض المناطق، إلا أن الواقع يشهد تغيرًا تدريجيًا. فدول مثل كوريا الجنوبية بدأت بالفعل في حظر هذه التجارة تدريجيًا وصولًا إلى إنهائها بالكامل بحلول 2027 ، كما أن العديد من الدول فرضت قوانين صارمة تمنع بيعها أو تداولها.
هذا التحول يعكس وعيًا متزايدًا بأن الكلاب لم تعد تُرى كغذاء، بل ككائنات رفيقة للإنسان، تستحق الحماية لا الاستغلال.
تجارة لحوم الكلاب ليست مجرد قضية حيوانات، بل مرآة تعكس علاقتنا بالقوة والضعف، وبالرحمة والقسوة ، فحين يصبح الألم وسيلة للربح، وحين يُختزل كائن حي في طبق طعام، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: لماذا يحدث هذا؟
بل: إلى أي حد يمكن أن ينحدر الإنسان حين يفقد إحساسه بالآخر؟
قد لا يستطيع العالم إيقاف هذه التجارة بين ليلة وضحاها، لكن الوعي هو البداية. فكل موقف أخلاقي، وكل صوت يرفض القسوة، هو خطوة نحو عالم أكثر إنسانية…




+ There are no comments
Add yours