نموذج أربيل والانفتاح الإقليمي: هل تنجح المحافظات في تحويل الفيدرالية إلى أداة تنمية؟

نمتار /  د . عبد الوهاب العاني

يشهد الواقع السياسي العراقي حراكاً دبلوماسياً واقتصادياً متزايداً يقوده إقليم كردستان نحو تعزيز الشراكات الإقليمية، لا سيما مع دولة الإمارات العربية المتحدة. وبينما تنقسم القراءات بين مؤيد يرى فيها ضرورة استثمارية ومعارض يخشى تداعيات سياسية، يبرز سؤال جوهرى: هل يمكن تحويل هذه العلاقة إلى نموذج يُحتذى به في بقية المحافظات العراقية؟ إن الانتقال من عقلية الإدارة التقليدية إلى عقلية الشراكة الدولية يمثل اليوم الممر الإجباري لتحقيق استقرار اقتصادي مستدام يخدم الهوية الوطنية الكلية.

​الانفتاح الاقتصادي كحق دستوري:

​إن النموذج الذي تتبعه أربيل في توثيق صلاتها مع مراكز الثقل الاقتصادي الإقليمي، مثل أبوظبي، لا ينبغي أن يُنظر إليه كخروج عن السياق الوطني، بل كاستثمار في “القوة الناعمة” ونقل الخبرات. إن تحويل الإقليم إلى بيئة جاذبة للاستثمارات في قطاعات الطاقة، التكنولوجيا، والبنى التحتية، هو ترجمة فعلية لصلاحيات الحكم الذاتي التي تهدف إلى تحقيق الازدهار ضمن إطار الدولة الاتحادية. فالتنمية لا تعني الانفصال، بل تعني القدرة على بناء نموذج إداري ناجح يقلل من الاعتماد على المركز ويسهم في الاستقرار العام.

​جدلية التخصيصات والنتائج: الإرادة كمعيار للتحول التنموي:

​عند استقراء واقع المحافظات العراقية، يتضح أن العائق الأساسي أمام التنمية لم يكن يوماً نقصاً في الموارد المالية؛ فالميزانيات المخصصة للمحافظات —سواء ضمن بنود المشاريع الاستثمارية أو تنمية الأقاليم— تُمثل مبالغ ضخمة كفيلة بإحداث طفرة حقيقية لو وُجهت بالشكل الصحيح. إلا أن الإشكالية تكمن في غياب “البوصلة” التنموية”؛ فالميزانية في نهاية المطاف هي مجرد “وقود”، وبدون محرك” يتمثل في الإرادة السياسية والإدارية، ستظل تلك الأموال تُستهلك في مشاريع ترقيعية ومصروفات استهلاكية لا تخلق أصولاً اقتصادية مستدامة ولا تترك أثراً ملموساً على حياة المواطن.

​عقلية الشراكة واختصار الزمن:

​إن النجاح الذي نأمل أن تحذو حذوه بقية المحافظات يتطلب الانتقال من عقلية “الموظف” الذي ينتظر التخصيصات، إلى عقلية “الشريك” الذي يسوق لفرص محافظته. الانفتاح على التجربة الإماراتية، على سبيل المثال، هو “اختصار للزمن”؛ فبدلاً من البدء من الصفر في معالجة البيروقراطية والتحول الرقمي، يمكن استيراد الأنظمة والخبرات التي أثبتت نجاحها عالمياً وتوطينها محلياً بما يتلاءم مع البيئة العراقية.

​نحو “منافسة تنموية” وطنية:

​إن المطلوب اليوم هو تحويل الفيدرالية الإدارية من شعار سياسي يثير الهواجس، إلى أداة تنموية تخلق منافسة شريفة بين المحافظات. عندما تنجح محافظة في جذب استثمارات كبرى وبناء مدن صناعية أو سياحية، فإنها لا تخدم سكانها فحسب، بل تخفف العبء عن كاهل الدولة العراقية وتخلق آلاف فرص العمل للشباب بعيداً عن ضيق التوظيف الحكومي، مما يعزز من تماسك النسيج الاجتماعي تحت مظلة الرفاه الاقتصادي.

​في الختام:

إن المراهنة على “الإرادة الحقيقية” هي المراهنة الرابحة في صياغة مستقبل العراق. فالتجارب الناجحة لا تُقاس بالنوايا بل بالنتائج الملموسة على أرض الواقع. وإذا ما استطاعت المحافظات العراقية استنساخ روح المبادرة والانفتاح الاستثماري، فإننا سنكون أمام عراق جديد لا يعتمد على براميل النفط فحسب، بل على حيوية أقاليمه ومحافظاته وتكاملها الاقتصادي مع محيطها الإقليمي والدولي.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours