هل تكفي الإدانة؟

 

نمتار / جورج منصور

ليس من المعقول، ولا المقبول، أن تُستهدف بيوت الشخصيات السياسية التي تمثل جسوراً بين النزاعات، لا وقوداً لها. إن قصف منزل رئيس إقليم كردستان، نيجرفان بارزاني، في دهوك، لا يمكن النظر إليه كحادثة عابرة أو تفصيل أمني محدود، بل هو مؤشر خطير على انزلاق المنطقة نحو منطق يُقصي العقل ويُعلي صوت القوة على حساب الحوار.

نيجرفان بارزاني ليس مجرد مسؤول محلي؛ إنه شخصية دبلوماسية فاعلة، لعبت دوراً محورياً، وما تزال، في تثبيت دعائم السلم الأهلي في إقليم كردستان، وفي بناء قنوات تواصل مع محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. إن استهدافه، أو استهداف بيته تحديداً، يحمل رسائل تتجاوز شخصه إلى ما يمثله من نهج سياسي قائم على التهدئة، والانفتاح، والتوازن.

لقد عملتُ معه عندما كنتُ وزيراً لمنظمات المجتمع المدني في حكومة الإقليم التي كان يرأسها، ووجدت فيه نموذجاً للقيادة العقلانية التي تؤمن بأن الاستقرار لا يُبنى بالقوة، بل بالتفاهم. كان مدافعاً صلباً عن حقوق الإنسان، وعن التعدد القومي والمذهبي، وعن تمكين المرأة، وهي قضايا ليست سهلة في منطقة تعج بالصراعات والتجاذبات. لذلك فإن استهدافه لا يمكن فصله عن استهداف هذه القيم نفسها.

إن قصف بيته في دهوك يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة: هل نحن أمام مرحلة يُعاقَب فيها دعاة السلام؟ وهل أصبحت الدبلوماسية هدفاً بحد ذاتها؟ وإذا كان من يسعى إلى التهدئة والحوار معرضاً للقصف، فما الذي يُترك لبقية الأطراف؟ وأي رسالة تُبعث إلى القوى التي تحاول، بصعوبة، احتواء الأزمات بدل تأجيجها؟

الإدانة، في مثل هذه الحالات، تبدو ضرورية لكنها غير كافية. فالإدانة وحدها، مهما كانت قوية، لا تردع صاروخاً، ولا تمنع تكرار الاستهداف، ولا تحمي ما تبقى من مساحات آمنة للحوار. إن الاكتفاء بالشجب والاستنكار يشبه محاولة إطفاء حريق هائل بكوب ماء؛ فعل رمزي لا يرقى إلى حجم الكارثة.

ما هو مطلوب يتجاوز اللغة إلى الفعل: تحقيقات شفافة، مواقف دولية واضحة، وضمانات حقيقية لحماية الشخصيات التي تعمل في خطوط التماس بين النزاعات. لأن سقوط هذه الشخصيات، أو حتى تهديدها، يعني سقوط أحد آخر الجسور التي تربط بين أطراف متصارعة.

المنطقة اليوم تحترق بالفعل، من أعاليها إلى أدناها، وكل ضربة جديدة لا تزيدها إلا اشتعالاً. وفي خضم هذا الاحتراق، يصبح الحفاظ على الأصوات العاقلة واجباً أخلاقياً وسياسياً، لا ترفاً. إن استهداف بيت نيجرفان بارزاني ليس مجرد حادث أمني، بل هو اختبار لمدى جدية العالم، والقوى الفاعلة، في حماية مسار السلام.

فهل تكفي الإدانة؟

أم أننا بحاجة إلى ما هو أعمق: إرادة حقيقية لوقف الانحدار، وحماية من تبقى من دعاة التوازن في زمن الفوضى؟

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours