نمتار- المعمار علاء معن
لم يكن بزوغ مصطلح ”ما بعد الحقيقة (بوست ـ ترو ) في عام 2016
مجرد عارض لغوي ارتبط بظاهرة انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بل كان إرهاصا مبكرا لزلزال معرفي وصل ذروته التدميرية اليوم في عام 2026، حيث فقدت الحقائق الموضوعية قدرتها على تشكيل الوعي العام لصالح ”الزيف الرقمي“، هذه الهيمنة بلغت أشدّها في حرب الشرق الاوسط التي لم تعد تدار بالحديد والنار فحسب، بل ب ”الثلاثية الرقمية القاتلة“ -الاعلام الموجه، تكنولوجيا المعلومات، وعالم الاستخبارات- مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتخلق واقعا موازيا يسلب الانسان سيادته الذهنية.
هذا التغييب الممنهج للعقل يجد ملاذه الآمن في الغاء الفواصل بين الحقيقة والوهم، حيث تسعى الاقطاب المهيمنة الى دفع البشرية نحو مرحلة ”مابعد التاريخ“. في هذا الفضاء يتم ”الغاء الامس“ بكل مراجعه القانونية والاخلاقية، اذ لم تعد مواثيق القانون الدولي وهيئة الامم المتحدة سوى عقبات يتم تهميشها لصالح صراع ”حلف غير مقدس“ يجمع بين قطب المال المهيمن و السرديات الغيبية مقابل آيدولوجيات و سرديات مناهضة. هذا الصراع لا يكتفي بالسيطرة على الحاضر، بل يعيد صياغة الماضي والمستقبل ككتلة واحدة تخدم اهدافا مدفوعة بلغة صفرية لا تقبل التفاوض. ومن المفارقات ان هذا الاقحام للسرديات الغيبية في وحل المصالح الجيوسياسية سيؤدي بالضرورة الى انعتاق هذه السرديات من براثن هذه المصالح وعودتها الى صوامعها، فالكلمات الكبيرة حين تُستخدم لتغطية الغايات الصغيرة، فأنها تموت وتفقد روحها كما حذر فريدريك نيتشة.
ومن رحم هذا التشظي يتبدى الانهيار الاخلاقي الذي سببه استغلال السرديات، وتحلل النظام الدولي القائم مما يضع النخب امام ”صدمة وجودية“ تفرض رفض التبعية للاقطاب الحالية او الانجرار خلف قوى منافسة تسعى لوراثة ادوات الهيمنة ذاتها، وهنا تبرز الحاجة لرفض ”منطق القطبية“ والتمسك ب ”التعددية الثقافية“. بناء على ذلك يبدأ التحرر الحقيقي من امتلاك السيادة الذهنية التي تسمح للمجتمعات بتطوير ادواتها الخاصة بعيدا عن صراعات القوة المادية الصرفة، وهو دور يقع عاتقه على ”المثقف العضوي“، الذي وصفه غرامشي بأنه من يمنح مجتمعه وعيا بذاته، وهو مطالب اليوم باقتحام الفضاء الرقمي لا بصفته مستهلكا، بل كقوة مضادة لفك شفرات ”مابعد الحقيقة“ في زمن ”مابعد التاريخ.“
لم تعد المعركة اليوم سوى معركة استعادة ”الارث الانساني المشاع“؛ ذلك النتاج الفكري الذي تراكم عبر العصور واصبح ملكا للانسانية، وتسخير التكنولوجيا لهذا الدور في مواجهة الثلاثية الرقمية وتزييف الذكاء الاصطناعي، ليعيد الاعتبار للقوانين والمواثيق التي سُحقت تحت اقدام الاقطاب المالية-الغيبية.
أما سبيل النجاة من هذه الصدمة الكبرى فيكمن في بناء نموذج إنساني يستند الى ”اصلاح التعليم“ من خلال تحويل المدارس والجامعات من مصانع للترويض الى ممارسات للحرية مقرونا بسيادة معرفية. انها دعوة الى ”انسنة“ العلم والثقافة والفن والعمارة، حيث يُعامل الانسان كغاية في ذاته لا كأداة لتحقيق اطماع مالية او نبوءات دموية. وفي نهاية المطاف لن تؤول الغلبة في ختام ”حرب ما بعد الحداثة“ لمن يمتلك الخوارزمية الاكثر فتكا، بل لمن يملك ”المعنى“ الاكثر قدرة على صيانة الحياة.
مانشيستر/ اذار/ 2026


+ There are no comments
Add yours