قراءة في مقاربات عبد الحسين شعبان الفكرية والتنويرية

نمتار/ بقلم بروفيسور ناصر زيدان

قد يدفعُك بعضُ التفكير الى مجاهِل الوحشة، وقد تنحرفُ الثقافة الى مداركِ الوهن، ويمكن للمضمون الأسود أن يُغلَّفَ بغشاوةٍ ناصعةِ البياض رقيقة، لما لا؟ فحبةُ العلقم تُشبه ثمرةَ التفاح، وشتان بين مرارة الأولى وحلاوة الثانية. وأياً ما زرعت في الأرض تحصُد، فهي ذاتها التي تُنبِت هذه وتلك. وهكذا هي الثقافة؛ يمكن أن تكونَ كالشوكران المسموم، ويمكن لها أن تكون كزهرةِ البيلسان؛ تنفحُ المرارة كما الأولى في مكان، وتبعثُ الحياة والشفاءَ كما الثانية في مكانٍ آخر.

عبد الحسين شعبان؛ أرضٌ خصبة لإنتاج الفكر المتنوِّر، أديبٌ ومثقفٌ وفيلسوف، يُزهرُ في كلِ الفصول، ويعقُدُ ثمرهُ مهما اشتدت الرياح على رحيق اللُقاح. نجفيُ الهوية ثابتُ الهوى ومُتدفق العطاء كجريان النهرين، وأُممي الرؤى، وعربيُ الأصالة، ليس له حدود، تماماً كفلسفة الوجود، كلما اعتقدت أنك اقتربت من الوصول الى نهايتها؛ انبسطت أمامك أُفقٌ أوسع.

لا يمكن تناول كل جوانب إغناءات عبد الحسين شعبان ومجهوداته الثقافية المتنورة في السياسة كما في القانون والشعر والأدب في محضرٍ واحد بمقالةٍ واحدة، ولا تحتاج الإستحالة الى توضيح أمام النُخب المُختارة من عشاق الثقافة وأهلُ العلمِ والمعرفةِ والعرفان، لأن الجميع يدركون صعوبة فتح خزائنه الفكرية المتنوعة بعُجالة. ففكرُ شعبان بحرٌ واسع لا تدركه المراكب بوقتٍ قصير، بينما التنوير فيه مساحةٌ لا حدود لها، وهو يقفُ كسراجِ الضوء الذي لا ينضبُ زيتهُ.

عرفت عبد الحسين شعبان قبل أن اتعرَّف عليه، فكان حاضراً بقوة في مساحةِ حاضرةِ الفكرِ والأدب، وكيفما اتجهت في مسالك الأبحاث، ترى أمامك أدراجاً رصفها شعبان لكي يعبرُ فوقها التواقون للولوج الى فضاءاتٍ علمية وفكرية وفلسفية أوسع، وهي معينٌ لكل طالبِ إرتقاء من دركِ عتمةِ الجهلِ الى فضاءِ النورِ الأرفع. كتبَ في القانونِ وفي السياسةِ وفي الشعرِ وفي الأدبِ وفي النقدِ وفي الثناء – كي لا نقولَ في المديح – وفاضت بأفكاره صفحاتُ كتُبهِ الستين، وأغنت مقالاته الصحف والمجلات، وكان لمقابلاته الملفوظة صدى في الأثير البعيد.

التقينا في حلقةِ نقاش حول كتاب “الحكيم الموحِّد كمال جنبلاط في تجلياته الهندية” واستمتعنا لاحقاً مع كوكبةٍ من النُخب لمطالعته التبريرية الشيقة لدوافع كتابته عن “رحلة البنفسج” لشاعر البلاغة والعامية والصور الجميلة مظفّر النواب، وشدَّتنا إليه جواهر كتاب “جدلية الشعر والحياة” لمحمد مهدي الجواهري، وأخَذَنا بعيداً؛ من معالجتهِ للرقةِ ولرفعةِ الشعرِ والأدبِ وحقوق الإنسان، الى خشونةِ السياسةِ ومكائدِها في كتابه عن ثعلبين ماكرين في تاريخ السياسة الأميركية هما: هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجينسكي، ولا تخففُ من خشونتها رقة تسمية كتابه الأخير “ترست الأدمغة في الاستراتيجية الأميركية” لكننا غفرنا له إتعابَنا بموضوعٍ شائكٍ ومُعقَّد، لأنه أشار الى أن الفكر أكبر من التحزُّب ومن العقائد الثابتة، وهو يتعايش مع كل الرؤى ومع المستجدات والعصور، ينقضُها ويُثريها حيثُ تدعو الحاجة.

بعضهم لم يتقبل مقاربات شعبان الفكرية. والخبثُ، او الحشريةُ، دفعت قسماً منهم الى خربشةِ المكائد على صورته الناصعة. ولم يرقَ تنوعِها لبعض الحاسدين، او للذين يمتهنون محاصرة الأفكار المستنيرة بستائر مُسدَلة، بإعتقادهم أنها تخفي الذخائر والدُرر، كما لو أنهم يغلفون سندويشات الطعام تعفُفاً قبل أن يلتهموا ما بداخلها بشراهة. ولم يستوعب هؤلاء؛ كيف لقائدٍ يساري، او ماركسي، ان يحاضرَ في الفقهِ وفي نهجِ البلاغةِ، وكيف له أن ينادي بالتحرَّر والاستقلال، ويتعمَّق في دراسة البراعة البراغماتية – او المكيافيلية – للسياسية الأميركية، وكيف له أن يكون قومياً عربياً من الطراز الرفيع، ويحصل في ذات الوقت على أرفع وسام للصداقة العربية – الكردية، وكيف له أن يكون محامياً وحقوقياً واستاذاً جامعياً، ويُرندحُ الشعرَ ويغفوا على رقة الأدب في آن. لهؤلاء أعذارَ تخفيفية، لأن الشحّ الثقافي حجبَ عنهم إدراك الترابط بين مُندرجات العلم على اختلافها، وفي أن العقل البشري يمتدُ الى الحدود الخمس؛ أربعة منها في الأرض وواحدٌ في السماء.

حركة التنوير الثقافي في الماضي؛ خلَّصتِ البشريةُ من مظالمِ المعتقداتِ الواهية التي شوَّهت انسانية وعدالة المسيحية السمحاء، وأنهت الإستبداد باسم الدين، وأعادت الحق لإرادة الشعوب بتقرير مصيرها كونها مصدرُ السلطة، دون أن يكون حكمُها قدراً منزلاً، كما كان يروَِّج اباطرة التجبُّر والإضطهاد. والفكرُ النيّرُ اليوم؛ مُطالبٌ بتسليطِ الضوءِ على الإنحرافاتِ الهائلة التي أُدخلت عن غيرِ حق في مسالك بعض الأديان وفي بعضِ معاجمِ العلم. فهناك مَن يقتل الأبرياء باسم الرب او بإسمِ الوصايا التوراتية المُحرَّفة، بينما رسول اللهِ (ص) والأنبياء السابقينَ له، اعتبروا أن: من قتل نفساً بغير حق كأنهُ قتل الناس أجمعين. وهناك مَن يكفِّر مَن يخالفه الرأي، او لأنه يطَّلع على ثقافاتٍ ومسالكَ مُتعددة، بينما الرسول الكريم قال: اطلبوا العلم ولو في الصين، وإمامهُ المُبدع علي بن أبي طالب قال: للحقيقة ألفُ وجه، ومن البلاغةِ أن تخاطبَ كُل قومٍ حسبما يفهمون.

التطور التقني والسيبراني أغنى العالم، وجعله قرية كونية واحدة، واختصر الجهد والمسافات، وهو نتاجُ العلمِ ومن صنعِ الإنسان، ولكنهُ في الوقتِ ذاتهِ قد يُهدِّدُ مُستقبلَ الآدمية، وقد يُفني البشرية؛ إذا لم يضبطهُ التنوير الثقافي الذي يحدِّد ما هي المقاربات التي تحمي أشرف المخلوقات؛ فالإنسان هو غاية أي عمل او مؤسسة بشريين كما قال يوماً المفكر الإنساني المُبدِع كمال جنبلاط. وسماعُ صياحِ الديك غيرُ الُّلحاقِ به.

يعيش البعض تحت أضواءٍ باهرة، ولكنهم في ظلمةٍ معرفيةٍ قاتلة، بينما يعيشُ بعضٌ آخر في عتمةٍ مُوحشة، فيها قهرٌ وفقر، ولكنهم في الظلمة المُنيرة. بعض المُعتقدات والميثولوجيات والممارسات، فيها حقٌ ويرادُ بها باطل، وتجاهلُ التراكم الفكري والثقافي الصائبين؛ جهلٌ ما بعده جهل، فالخير الوحيد في هذا العالم هو: المعرفة وفقاً لتعبير البيرت انشتاين. واللطيف دائمٌ وهو سابقٌ على الكثيف الزائل، ويقول سقراط الحكيم: تكلَّم كي أراك، فصوتك يُعبرُ عن وجودك. أما زهير بن أبي سُلمى، فقال في معلقتهِ وهو في سنّ الثمانيِّن: لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده… وما تبقى صورةُ اللحمِ والدم.ِ

يقول المفكر الكبير شعبان “نغمةٌ في العشقِ تكفي… نقطةُ حبرٍ تكفي، فلا تُكثِر عليك الأقلام والورق” ما احتوته كُتب شعبان الستين؛ هواءٌ دافئ نسائمه تُنعش التنوير، وآلاف صفحاتها غذاءٌ يُعطي الفكر مقومات حياة المُبدع شعبان؛ قيمةٌ مُضافة في الحياة الدنيا، وما زال أمام عطائه متسعٌ لا حدود له.

. بيروت. 17/3/2026

*مداخلة كانت ستقدم في حفل تكريم الدكتور عبد الحسين في القاهرة، وأجلت بسبب الحرب

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours