حين يختلط الضوء بالظل

نمتار / فائق العبودي

قبل أيام، وبينما كنت أتصفح بعض التقارير، وقع أمامي تقرير عن شخصية أثارت فضولي امرأة اسمها ” سالي ستاندفورد” شعرت بالحاجة إلى معرفة المزيد عن حياتها، فبدأت أبحث عنها، وخرجت بمجموعة من المعلومات التي تكشف جانبًا من

تاريخ السياسة والحياة الخفية في مدينة ” سان فرانسيسكو”، وتظهر كيف أن ما يحدث خلف الكواليس قد يكون أكثر تأثيرًا مما يراه الناس على المنصات الرسمية.

كون السياسيون يميلون إلى تقديم السياسة بوصفها فن إدارة العالم وطريق لتحقيق السلام بين الشعوب. لكن التاريخ إذا قرأناه بعيدًا عن الخطابات الرسمية يكشف وجهًا مختلفًا. خلف الشعارات الكبرى تقف المصالح، وغالبًا ما تتخذ القرارات في أماكن لا تظهر في القاعات الرسمية..

من القصص التي تعكس هذه المفارقة حكاية امرأة تدعى “سالي” ،في الأربعينيات لم تكن سالي سياسية بل كانت قوادة تدير بيوت دعارة راقية يرتادها رجال المال والنفوذ في سان فرانسيسكو.كانت هذه الاماكن جزءا من الحياة الخفية للمدينة يقصدها بعض الأثرياء والسياسيين بعيدا عن أعين الصحافة.

المعنى واضح: السياسة لا تصنع فقط تحت الأضواء، بل كثيرًا ما تتشكل في الأماكن الخفية عن الكاميرات والصور الرسمية.

ومفارقة حياة سالي كانت لافتة. المرأة التي بدأت حياتها في إدارة بيوت الدعارة دخلت لاحقا الحياة العامة، وأصبحت شخصية معروفة ثم انتخبت عمدة لمدينة “ساسيلاتو” القريبة من سان فرانسيسكو. وكأن التاريخ يذكرنا بأن الحدود بين عالم الظل وعالم السلطة ليست واضحة دومًا.

 

وفي عصرنا الحديث تتكرر أمثلة على تداخل السياسة مع المال والترفيه. الرئيس الامريكي دونالد ترامب دخل السياسة من عالم الاعمال والجنس والترف، وكان اسمه معروفا في ثقافة المشاهير قبل البيت الأبيض. امتلك كازينوهات ونوادي ليلية وارتبط اسمه بأسلوب حياة باذخ.

في هذه الأمثلة لا تذكر للفضائح فقط، بل لإظهار مفارقة تاريخية: كثير من صناع القرار يأتون من خلفيات بعيدة عن الصورة المثالية التي ترسم للسياسيين في الخطابات الرسمية.

السياسة مثل المسرح لها منصة مضاءة يتحدث فيها القادة عن القيم الكبرى، وخلف الستار تدور لعبة أخرى أكثر واقعية. وفي عصرنا الحديث ظهرت مفارقة جديدة تذكرنا بهذا التداخل: جزيرة رجل الأعمال الأمريكي Jeffrey Epstein المعروفة إعلاميًا باسم «جزيرة ابستين» التي أصبحت محور جدل عالمي بعد انكشاف شبكة الاستغلال الجنسي التي كان يديرها.

التحقيقات والوثائق كشفت أن شخصيات ثرية ومؤثرة من عالم السياسة والمال والأعمال زارت الجزيرة أو ظهرت أسماؤها في سجلات رحلاته الجوية.

وما حملته هذه القضية من صدمة للرأي العام أعاد طرح السؤال القديم نفسه: إلى أي مدى تتقاطع السلطة والنفوذ مع عوالم لا ترى بسهولة؟

ومن حكاية Sally Stanford في سان فرانسيسكو قبل عقود إلى فضيحة جزيرة ابستين في عصرنا الحديث يبدو أن التاريخ يكرر الدرس نفسه: ما يجري خلف الأبواب المغلقة قد يكون أحيانا أكثر تأثيرا مما يقال على المنصات المضاءة.

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours