نمتار/ د. ناصر زيدان
انقلبت الأوضاع في لبنان رأساً على عقب من جراء الحرب الضروس الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وايران ومعها حزب الله من جهة ثانية، خصوصاً بعد أن أقدم الحزب على اطلاق 6 صواريخ من جنوب لبنان على شمال “إسرائيل” او فلسطين المحتلة في اليوم الثاني من بدء الحرب مطلع مارس/آذار الحالي، وتبين أن ضباط وخبراء من الحرس الثوري الإيراني، ومعهم كوادر من الحزب قاموا بهذه الفعلة، بما يتناقض مع التعهد الذي أبلغه الحزب لرئيس مجلس النواب نبيه بري؛ بأنهم لن يدخلوا في المواجهة، وبري نقل هذا التعهد لرئيس الجمهورية جوزيف عون، ووصل مضمونه الى الجانب الأميركي على وجه التحديد، والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى قال بعد أن وصلته الرسالة: لا خطر على لبنان من جراء التوتر الحاصل اذا لم يشارك حزب الله في الحرب.
دارت الدوائر؛ وتطايرت الصواريخ كما الأوراق التي حملت التعهدات، واختلط حابل القصف والدمار والدماء بنابل المأساة التي أصابت اللبنانيين عموماً وأبناء الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع على وجه التحديد، وارتبكت الدولة بكل مؤسساتها، فهي بدت هشَّة، تبيع الوعود وتُصدر بيانات عن اكمال جمع السلاح غير الشرعي جنوب نهر الليطاني، بينما الوقائع أثبتت أن بعض تقاريرها ليست مبنية على معلومات دقيقة. لكن الحكومة خَطَت وثبة مُعتبرة قياساً للظروف، واتخذت بعد يوم واحد من اطلاق الصواريخ؛ قراراً حضَّرت فيه أعمال حزب الله العسكرية على كامل الأراضي اللبنانية، ووافق على القرار كل الوزراء بإستثناء وزيري الحزب فقط، ولكن الوضع الحالي لا يسمح للجيش زيادة منسوب التوتر الداخلي، او التسبيب بإشعال “بحرب أهلية” لتطبيق القرار، لكن إجراءات التضييق على عناصر الحزب بدأت بالفعل ضمن الكيفية المُتاحة، وتمَّ توقيف عدداً منهم.
لا داعي لجرد كامل لائحة الخسائر المادية والبشرية والإنسانية التي وقعت في لبنان، وهي بتزايد مُستمّر حتى هذه اللحظة. يكفي الإشارة الى وجود ما يقارب المليون مواطن خارج منازلهم، وغالبيتهم مُهددين من العدو الاسرائيلي بعدم القدرة على العودة، بينما تجاوز عدد الضحايا 700 شهيد و1600 جريح، والقطاعات الإنتاجية والتربوية متوقفة، وانعكاسات ارتفاع أسعار النفط والغاز من جراء الحرب قضَّ مضاجع المواطنين، وأصابهم بالعجز والعوَز، وهؤلاء لم يكادوا أن يخرجوا من اسوأ أزمة مالية في التاريخ المعاصر بعد.
تكثر السيناريوهات التي يتناولها بعض المُحللين والعارفين عن مستقبل الوضع، وتتراوح التقديرات بين حدوث فوضى لا يمكن تحديد نتائجها، مروراً برؤية ترى أن الحالة قد تعود الى ما كانت عليه قبل العام 2000، وصولاً الى توقُّع الاستفادة من الحرب لحسم حصرية السلاح بيد الدولة، وتأكيد سيادتها الفريدة على كامل أراضيها. لكن أي من هذه المقاربات لا يمكن الركون اليها قبل معرفة نتائج الحرب الخبيثة الدائرة في ايران، وعلى ضوء هذه النتائج يمكن تحديد خيارات مستقبلية، لأن الواقع على الأرض اليوم يمنع اعتماد إجراءات قد تؤدي الى صدامات ذات أبعاد طائفية او مذهبية، حيث مَن أصابتهم نكبة الحرب مُشردين، وموزعين على مختلف المناطق، ويسقط منهم شهداء، وهؤلاء مُحتضنون تضامنياً من قبل مكونات الشعب اللبناني على اختلافها، ولكن حسابات الحقل أحياناً لا تتطابق على حسابات البيدر، والتداخل اللبناني – السورية مصدر خشية في هذا السياق ايضاً
سوريا التي شهدت بعض التعافي الاقتصادي والاجتماعي بعد سقوط النظام السابق؛ ما زالت تعيش في حالة هياج عقائدي وأمني، ومناطق واسعة من جنوبها يخضع للإحتلال الإسرائيلي البغيض، ولهذا الاحتلال مشاريعه المشؤومة، منها تشجيع بعض المكونات على طلب الانفصال، ومنها انتاج توترات ذات طابع إثني ومذهبي، والمخاوف قائمة من اختبارات لعينة جديدة مع مكونات أخرى، ونرجوا أن لا يحصل ما يروج له أذناب الاحتلال على السوشيل ميديا، حيث يتخايلون مشهديات فتنوية مؤلمة، يتمنون أن تحدُث، ونأمل نحن أن لا تحدُث، خصوصاً بعد التوتر الذي حصل في منطقة سرغايا السورية بالقرب من الحدود اللبنانية، بُعيد الإنزال الاسرائيلي الغامض الذي حصل ليلة 9 آذار/مارس، وأعقبه تبادل قصف مدفعي في المكانة ذاتها، وقيل أن قوات سورية كانت تتهيّء للدخول الى الأراضي اللبنانية للإقتصاص من عناصر حزب الله الذين قاموا بعملية القصف.
إسرائيل اعترفت بأن عدد الصواريخ والمُسيرات التي سقطت عليها من لبنان؛ أكثر كثافةً من التي وصلت من ايران، وعدد الغارات العدوانية التي نفذتها ضد لبنان أكثر من عدد الغارات التي شنتها ضد الأراضي الإيرانية، وهذا يعني أن حجم الملف اللبناني في الحرب كبيرٌ جداً، وتداعيات هذه الحرب على لبنان واستطراداً على سوريا ليس تفصيلاً على الاطلاق.
في دفتر الحسابات الكبيرة؛ قيود تتعلَّق بلبنان، وهذه القيود قد تكون دائنة تستوجب الإيفاء، وقد تكون مدينة تستوجب دفع الفاتورة بأغلى مما دُفع حتى الآن، والموقف السوري مهم جداً في هذا السياق، لأن إعادة هيكلة المنطقة تتعامل مع البقعة الشامية بملفٍ واحد، وهذا ما حصل عندما وضعت اتفاقية سيكس – بيكو عام 1916 سوريا ولبنان تحت نفوذ جهة استعمارية واحدة، وكانا من حصة الفرنسيين، والعدو الاسرائيل يتعامل مع شرق فلسطين المحتلة وشمالها بملفٍ واحد ايضاً، وهو المكان الذي يمكن من خلاله أن يُحقِّق الطموحات الشرانية الواهية بإقامة “إسرائيل الكبرى”. والتداخل اللبناني – السوري في هذا السياق؛ مُخيف للغاية، لأن أي مقاربة جديدة، لا يمكن لها أن تقفز فوق الآثار الكارثية السابقة التي نتجت عن تدخل حزب الله في سوريا مع النظام السابق، وهو متهم بأنه ارتكب تجاوزات ذات طابق مذهبي، وغالبية الفئة النافذة في دمشق لا تكنُّ له أيُ ود.
إذا انتهت الحرب على هدنة ليس فيها غالب أو مغلوب؛ ستراوح الأزمة مكانها في لبنان وربما كذلك في سوريا. وإذا كانت الغلبة لإسرائيل؛ فإنها لن تتورع عن ارتكاب أية موبقات، بما في ذلك تهجير فلسطينيين ولبنانيين وسوريين من الضفة ومن الجنوب ومن القنيطرة والجولان، وستعطي فرصة لأذنابها للتغوُّل بالمساحات المستقرّة لتشويهها وخلق اضطرابات فيها، والأهم؛ أنها ستُقدِم على السيطرة على الممر الحدودي الاستراتيجي في درعا السورية “كوريدور الشرق الأوسط” وبالتالي ستُطيح بكل مشاريع التعاون المستقبلية الواعدة بين دول الخليج وتركيا وأوروبا مروراً بسوريا ولبنان. وإذا خرجت ايران غير مهزومة – كي لا نقول منتصرة؛ لن يكون الفضاء اللبناني والسوري بمأمن عن إعادة انتاج السياسة الكارثية التي اعتمدها الحرس الثوري في السنوات الماضية، أي منذ ما بعد الجحيم الذي سببه العدوان الأميركي على العراق في العام 2003. والتوازنات التي تفرضها الحرب، ستكون حكماً فيصلاً للتوازنات الداخلية اللبنانية، ولا نريد اقفال الباب نهائياً على احتمالية ضئيلة تتبلور عنها صيغة مستقبلية تعفي لبنان من القصاص الإقليمي المفروض عليه بسبب النفوذ الإيراني، وهو يُسدِّد فواتير سنداته المُوجعة منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً.ً
والمؤلِم في السياق ذاته؛ أن الرئيس دونالد ترامب قال أنه يحب لبنان، ولكنه بالواقع غير مبال فيه، والكلام عن مفاوضات سياسية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية وفرنسية جدي، ولكنه غير واضح حتى الآن. والاتحاد الأوروبي أصدر بياناً حذَّر فيه من تحويل لبنان كجزء من ساحة جبهة مع ايران، بينما هو في الواقع خندق أمامي في هذه الجبهة، والأشقاء العرب الذي أصابتهم الدوخة من العناء اللبناني، لا يستطيعون فعل أي شيء وسط هذه المعمعة، فلدى كلٍ منهم همومه، والخليجيون الحريصون على مساعدته، أصابتهم اللوثة، وندعوا الله لإخراجهم منها، كما ندعوا لهم بالصبر والفلاح.
تداعيات الحرب على لبنان مفتوحة على كل الإحتمالات، وهي أنعشت ذاكرة الذين يتباصرون في الروايات والأساطير التاريخية القديمة، بما في ذلك حديث عن معركة “هرمجدون”.
13/3/2026بيروت /
*مداخلة ألقيت في ندوة للمعهد العالمي للتجديد العربي


+ There are no comments
Add yours