في موقف مفاجيء ولافت ، وصف رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، في مقال له نشره بصحيفة الشرق الاوسط في الثالث من آذار الحالي ، التفسير السائد للمحكمة الاتحادية بشأن “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بـ “المثلبة” الدستورية، معتبراً أن هذا الاجتهاد يمثل “خطيئة” وانحرافاً قضائياً أدى إلى أزمات سياسية متعاقبة في البلاد.
ورغم ان مقال القاضي زيدان لايغير من واقع المشهد السياسي المتأزم على قاعدة الكتلة الاكبر او الخطيئة التي ارتكبتها المحكمة الاتحادية عام 2010 والتي افضت الى حرمان اياد علاوي من استحقاقه الدستوري كفائز في الانتخابات ، الا ان رأي زيدان ربما يكون قد القى حجراً في المياه التي ركدت على تفسير الخطيئة للكتلة الاكبر .
وقد أثار مقال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان الذي نشره تحت عنوان “خطيئة التفسير الخاطئ للدستور” جدلاً واسعاً في العراق ، كون التفسير الجديد المحتمل للكتلة الاكبر سيصب في إطار “إعادة هيكلة النظام السياسي” من خلال إعادة تفسير المادة 76 من الدستور.
واعتبر زيدان ،أن المادة 76 من دستور “من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل؛ نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية”.
ورأى أن التفسير الذي قدمته المحكمة الاتحادية للمادة عام 2010 “يجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لمفاوضات معقدة وطويلة ، مما أدى إلى أزمات سياسية متكررة آخرها التي نعيشها هذه الأيام .
ووصف قيادي في تحالف الإعمار والتنمية التلاعب بتفسير من له الحق بتشكيل الحكومة بعد الانتخابات قد أفرغ العملية الديمقراطية من محتواها، وفتح الباب على مصراعيه أمام الانتهازية السياسية، ووصف مقترحات زيدان بانها ،خطوة كبيرة وجريئة وشجاعة لوقف الانحراف والعودة لروح الدستور.
وطرح زيدان في خلاصة مقاله الى طرح ثلاثة حلولاً لتجاوز هذه المشكلة الدستورية والسياسية، من خلال:
1ـ إجراء تعديل دستوري صريح يحدد المقصود بالكتلة الأكبر بصورة لا تحتمل التأويل؛ تحقيقاً للأمن الدستوري، وصوناً لإرادة الناخب بأن يحسم المقصود بالكتلة الأكبر بشكل لا يقبل التأويل باعتماد معيار (القائمة الفائزة انتخابياً). وهذا الحل صعب التحقيق ومعقد بسبب الآليات المطروحة في الدستور لأي تغيير في بنوده.
2ـ تعديل قانون مجلس النواب؛ بحيث “يُلزم بتسجيل الكتلة الأكبر رسمياً خلال الجلسة الأولى فقط، ويمنع تغيير صفة (الكتلة الأكبر) بعد تثبيتها” .
ويرى مراقبون ان الذهاب الى هذا الخيار يواجه صعوبات كبيرة نظراً لانه عادة ماتكون الكتلة الاكبر من مكوّن يسيطر على نصف البرلمان ونظامه الداخلي الحالي يحقق مصالحه.
3ـ قيام المحكمة الاتحادية العليا بـ”إعادة النظر في تفسيرها السابق، وتعتمد تفسيراً مقيداً يربط (الكتلة الأكبر) بنتائج الانتخابات لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة”ن وهذا هو الخيار الاقرب الى الوقائع والامكانات السياسية القابلة للتطبيق فلا موانع كبيرة من ان تقوم المحكمة الاتحادية بمراجعة الخطيئة وانقاذ العملية السياسية من انسداداتها منذ عام 2010 حتى الآن.
و يرى بعض المراقبين أن المقال لا يبتعد كثيراً عن مجمل ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط والتحولات العميقة التي يتوقع حدوثها بعد انتهاء الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران، وكذلك الضغوط التي مارستها واشنطن مؤخراً على الأحزاب والقوى السياسية العراقية حول ملف تشكيل الحكومة الجديدة.
يقول ليث شبر في تدوينة له أن “إعادة النظر في مسار تفسير النصوص الدستورية والعودة إلى روح الدستور ومقاصده لم تعد مسألة فقه دستوري فحسب، بل ضرورة سياسية لإنقاذ النظام السياسي من دوامة الانسداد “.
فيما أوضح خبير قانوني على منصته، ان القاضي زيدان بشأن تفسير المادة (76) من الدستور، ” سبق أن قرره في أطروحته للدكتوراه، وفي كتابه “رقابة القضاء الدستوري على الحدود الدستورية بين السلطات”، وكذلك في مقاله المنشور بتاريخ 14/ 2/ 2022 بعنوان “تعديل الدستور ضرورة يفرضها الواقع السياسي”..
+ There are no comments
Add yours