ما بين الحُبّ والسياسة

سعد الهموندي رهن فخاخ خواطره

كتب / حسن عبدالحميد


لم يشأ أن يعلن عن نفسه شاعراً أو ناثراً، وإن استوحى من وحي قلبه خواطر تناوَرت ما بين ملمس الحُبّ المخملي وخشونة ملمس السياسة بممرّاتها وتعرّجاتها وعموم همومها.
بيد أنه شاء أن يتجاسر ويتجرأ على ردم هذه الهوة التي تفصل ما بينهما؛ الحُبّ من جهة، والسياسة من جهة أخرى.

وحين دسّ بيدي نسخة من مجموعته (خواطر بين الحُبّ والسياسة .. من وحي القلب) التي ارتأى أن يُسمّيها خواطر، همس بأذني السياسي والباحث والإعلامي د. سعد الهموندي قائلاً:

“إنّها لا تعدو أن تكون هذه النصوص محاولات، لم يطّلع عليها حتى أقرب الناس لي”.

إذن كانت لديه أشبه بفسحة أو واحةٍ يجد فيها نافذةً ومتنفّساً يُبدّد فيه الكثير من متاعب السياسة ومنغّصات العمل وهموم الحياة ومشاغلها.
لكن هذا لا يشفع له أو يعفيه من مغبّة وطأة الحنين الطاغي لسواحر وإغراءات عالم المرأة بأثرها وفتنتها وسطوة حضورها الإنساني، النفسي والروحي، عبر ما تمنحه من طاقاتٍ خلّاقة ودوافع إبداعية من خلال روافد ومجسّات وهواجس ولوامس ما يتحكّم به الحُبّ بأشكاله وتنويعاته.

أما الحُبّ، وبأنساقه وأعماقه وتجلياته العامة وقضاياه الكبرى، فيُعدّ الدرس الأعذب في القوة – بحسب زعم وتعبير أحد أهم فلاسفة ثقافة اللاعنف في العالم.

نصوص وتخطيطات

يجدر بنا أن نذكر بأن للدكتور سعد الهموندي ثمانية إصدارات تراوحت ما بين مجلدات ضخمة وكُتب مهمة في مجال البحوث والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية والرؤى التنموية وكافة مشتملات الفكر وشؤون المعرفة وقضايا الوضع الراهن، بالأخص حاضر ومستقبل الشرق الأوسط، وفي مقدّمة ذلك العراق – تحديداً – بعد مجريات ومتغيّرات ما حدث إبّان حرب الربيع عليه في آذار – نيسان عام 2003.

حوت المجموعة التي برع في رسم “موتيفاتها” وتخطيطاتها الفنان الكوردي المبدع عزيز بيرداود على واحدٍ وستين خاطرة، تماهت ما بين تساميات الحُبّ الذي برهن فيه الهموندي صدق وعبقرية مقولة أفلاطون:

“كل إنسانٍ يصبح شاعراً إذا ما لامس قلبه الحُبّ”،

وما بين هموم ومسارات والتواءات السياسة، مؤكداً فحوى عبارة شاعر المكسيك وفيلسوفها أوكتافيو باث القائلة:

“إذا ما خلا رأس السياسي من الشعر، فإنه يتحوّل إلى طاغية”.

سيبدو من غير المجدي أو العملي السعي إلى تقسيم وتبويب نصوص هذه الخواطر، أو دحض محاولات فصلها عن بعضها، أو تمييز واحدة عن الأخرى، بسبب التراصّ والتناغم التلقائي والعفوي الذي انتهجه الكاتب في بناء وحدات أفكاره وموضوعاته وهواجسه، بل وحتى أحاسيسه وتدافعات مشاعره الآنية، عبر ما تماثل من عمق وبساطة وقوة تكثيف وسرعة استجابة لما تمليه عليه مشاعره وذخائر ذاكرته التي ينجز على منوالها كل ما يطوف ويجول ويغلي في دواخله، وما ينمو ويعرّش من خلجاتٍ إنسانيةٍ وعاطفيةٍ وسموّ ما توسّدت فيه من تجلياتٍ وحالاتِ حُبّ، كما ينضح ويتضح بهذا المقطع من نصٍّ يحمل عنوان “أجمل أحلامي”، يبوح فيه مغرّداً:

“كنتُ أحلم أن تعشقني امرأةٌ غامضة../ امرأة مثقفة وقارئة!!/ امرأة إذا تكلمت أبهرت../ وإذا عشقت أخضعت…/ طفلة في حبها!! مجنونة في غيرتها!! جذّابة في طلّتها!!”

وفي مقطع آخر من ذات النص يقول:

“امرأة كالربيع تُنسيني خريف الحُزن… فأنام على ذراعيها وأصحو على صوتها.”
(ص 16 – المجموعة)


مرآة السياسة

تتضح ملامح الوجه الآخر في مرايا هذه النخبة من الخواطر الطيّعة والمرنة والدائبة في التعبير عن جدّية وصدقيّة المكامن الضامرة والراسخة في نسيج عقل وقلب وضمير الكاتب، في مرآة السياسة هذه المرّة، ساعة يتجسّد ويتمظهر كل ذلك في طبيعة عوالم الأحلام العامة والآمال العظيمة التي يتمناها السياسي الوطني والحقيقي ويسعى لتحقيقها.

نجد – هنا – في نصٍّ بعنوان “هذا العالم قاسٍ” مناسيـب عصارة حقيقة وواقع ما يخامر وجدانه ومكابداته ودقّة رصده لما يتحسّسه ويراه، قائلاً بصوتٍ عالٍ:

“هذا العالم قاسٍ جداً../ قاسٍ على الذين تغمرهم الأحلام والآمال صعبة المنال،/ فالعين بصيرة واليد قصيرة../ قاسٍ على الذين يصمتون عندما تخونهم الكلمات، فلا يستطيعون الرد، يضمرون عذابهم ويتلوّون بأوجاعهم../ قاسٍ على الذين تواجههم الخيبات في الصباح، فيحملونها بحقائبهم إلى بيوتهم ليلاً.”
(ص 118 – المجموعة)

وفي ذات النصّ نراه يواصل نزف أفكاره ورؤاه وأمنياته قائلاً:

“قاسٍ على الذين يحملون قلوباً ناصعة البياض، وتشرق فيها الشمس على الدوام../ فعلى الجانب الآخر، هنالك من يحاول أن يغطي الشمس بيدٍ غادرة../ يغطيها عمّن تترقرق الدموع في عيونهم، وتثور البراكين في هواجسهم.”

حتى يُلخّص في نهاية هذا النص النازف، عندما يُفصح ويتهجّد ليقول:

“قاسٍ على من يدفنون جراحهم في جيوب الأيام، ويستبدلونها بابتسامةٍ صفراء، على من يستمرون في الحياة رغم أشواكها الحادّة وطعناتها العنيفة.”

نبض القلب وحناياه

أجدني وقد احتميتُ بأخذ نموذجين، عن قصدٍ وتقييمٍ عامٍّ من مجمل ما حوت نصوص المجموعة، من باب الاقتراب من ضفاف مقولةٍ ترى برؤية الشجرة ما يُغنيك عن رؤية الغابة.
وكما كنتُ قد استعنتُ بمقولة أفلاطون حول مفهوم الشعر والحُبّ حين يلامس قلب الإنسان في مفتتح مقالي هذا، كذلك مقولة أوكتافيو باث حول علاقة الشعر بالسياسي، لأنّي وجدتُ في مناهل هذه الخواطر ما يُقرّب شخصية الكاتب من خلال تبنّيه لهكذا نوع من الكتابة المرنة والطيّعة – كما نوهتُ سابقاً – العميقة والبسيطة بهذا الجهد والانهمـاك والتقييم، ما يعزز من صعوبة فصل “سعد” السياسي عن “سعد” الشاعر، بمعنى أو بآخر، كون النصوص – كما هو مشار إليها بــ”الخواطر” – تؤكد صلة الرحم والمرجع ودرجات الانتماء التام لكلا الحالتين، كما لو كانا التوأمين السياميين يستحيل فصلهما عن بعضهما، حتى في أشد حالات التعبير عن شخصية الكاتب.

الكاتب الذي جيّر وخصّ كامل مجموعته بهذا الإهداء المهيب:

“إلى أمي.. الباقية نبضاً في حنايا قلبي..”

فيما قلبه ظلّ محتمياً في قضايا وطنه وشعبه، في عُرى صميم علاقةٍ صادقةٍ صحيحةٍ متجذّرةٍ ومتصالحةٍ ما بين ذاتها والبيئة والمحيط الذي وُلدت فيه وعاشت وتحيا فيه حتى آخر محطات العمر.

يقيناً، لم تقتصر نصوص (خواطر بين الحُبّ والسياسة – من وحي القلب) على منوال هذا التقييم العام، ولا على مجرد الاكتفاء بنصّين، أو التنويه إلى الإهداء الرخيم والرحيم المهداة إلى روح أمّه، فثمّة مقدمةٌ صاغ سعد الهموندي حروفها وكلماتها وجوهر معانيها بروح اعتدادٍ تفاؤلي وإيجابي، أفصح فيها عن أمله وتحلّيه بنعمة وجمال الحكمة والحثّ على الرضا، من حيث إن الكتابة تُزهر القلوب بالأمل، ويزهو الربيع – على تعبيره – على حواف أوراقنا كما يغرد قلمنا بالحُبّ.

ألم يقل لنا أفلاطون:

“كل إنسانٍ يصبح شاعراً إذا ما لامس قلبه الحُبّ.”

وبما يؤكد ما ورد في مقدّمة سعد التي استهلّ بها برواز إطار مجموعته البِكر هذه، وهي تكشف الكثير من دواعي عوالمه اللاشعورية في حُبّه وتجليات حياته والسياسة وكل شؤون ومشارب الكتابة وعوالمها الرحبة.

Hasanhameed2000@yahoo.com
ح.ع. الحميد
أربيل – عنكاوا

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours