عبد الحسين شعبان ونظريته في تعظيم المشتركات

 

 

د. خالد شوكات

 

ثمّة هاجسان يشغلانني دائماً عندما يتعلّق الأمر بتقييم مسار كبار الكتّابوالمفكّرين من أبناء أمّتنا العربية، أوّلهما، مدى تطابق القول مع الفعل،مصدقاً للعبارة القرآنية التي تقول: “يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لاتفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما تفعلون” (الصف/2)، والعبارة الثانيةالتي تقول: “أتأمرون النّاس بالبر وتنسون أنفسكم” (البقرة/44)،وثانيهما، وهو غير بعيد عن الهاجس الأوّل، أو هو شقيقه، ويتمثّل فيمدى التزام صاحب النظرية بتنزيلها على أرض الواقع، أي أن لايكون من ذاك الذي يقدّم “علماً لا ينفع”، فكثير من أصحاب الفكر والبحثمعتصمون بأبراجهم العاجية متعالون عن النّاس، فلا يؤثرون تأثيراً مباشراًفي العامّة باعتبارهم من الخاصّة، ولا يختبرون أفكارهم في مجتمعاتهم علىنحو يساعدهم على تقويمها وتصحيحها، خصوصاً إذا كان مبحثهم منالعلوم الإنسانية التي تقتضي النقد والمراجعة من خلال التطبيقات العمليةوالتجارب الاجتماعية.

ومن منطلق هذين الهاجسين، كانت نظرتي التقييمية لمسيرة الدكتور عبدالحسين شعبان الطويلة، التي لا تضمّ ما يقارب المئة كتاب فحسب، فضلاًعن آلاف المقالات والدراسات التي نشرها طيلة عقود من العطاء الفكريالخصيب لهذه الأمّة، حتّى وصفته ذات مرّة في الاحتفالية (احتفاليةالعرفان) التي أقمناها له في تونس سنة 2016، بأنّه “رجل بمثابةمؤسسة”، بل تشمل كذلك سيرة عملية عامرة بالأنشطةوالإنجازات، ساهم من خلالها في تأسيس عشرات المنظمات والمؤسساتفي المجتمع المدني، بالإضافة إلى مئات المبادرات والبيانات والمواثيقوالرسائل والدعوات التي ساهم في تأليف المثقفين والنشطاء والعاملينحولها، من جميع التيارات والمشارب الفكرية والسياسية، هذا إلى جانبلمساته الشخصية المحبّة والتفاتاته الودّية الراقية نحو أصدقائه من المعروفينوالمهمّشين على السواء، فقد أرشد تواضع العلماء الأصيل في شخصيته“النجفية الحمراء” إلى الكتابة التكريمية عن شخصيات مغمورة ومشهورةعلى السواء، غير آبه بغير المعنى الإنساني العميق، وبـ”الوفاء” الذي هوأعظم ما يمكن أن تتحلّى به الشخصية البشرية، في زمن قلّ فيه الوفاء،تماماً كما أن “التواضع” أفضل ما يمكن أن يسم سلوك العلماء الأجلاء،كما هو حال عبد الحسين شعبان.

لقد عرفت الدكتور عبد الحسين كما أشرت في مجالات اهتمامنا المشتركة،وفي مقدّمتها قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والوحدة العربية والقضيةالفلسطينية، وهو معلّم كبير فيها جميعاً، قولاً وفعلاً، وتنظيراً وتنزيلاً. ومنالأهمّية القول في هذا السياق، بأنني التقيت هذا المعلّم الكبير، وأنا قادم منالضفّة الفكرية المقابلة للضفّة التي أتى منها، لكنّنا التقينا في “دار الوسط” كما يقول المثل الشعبي عندنا في تونس.

لقد جاء الدكتور عبد الحسين إلى هذه الدار من ضفّة “الماركسية” التي قامبـ”تحطيم مراياها” كما لم يفعل مفكّر عربي يساري مثله من قبل، من حيثالقيمة النقدية وعمق المراجعات الفكرية، فيما جئت أنا من الضفّة الإسلاميةالمحافظة، بعد أن نزعت عنّي رداء الجماعة الضيّق ولبست عباءة الناقدالمعتصم بالحرّية، هكذا سرت مع الدكتور شعبان طيلة ثلاثين عاماً معاً دونأن أشعر يوماً بأنّه “شيوعي سابق” أو يشعرني هو بأنني “إسلاميّسابق”، فكلانا مؤمن على نحو لا يتزعزع بأن الرابطة الإنسانية أقوى منأي رابطة ثانوية أخرى، وعلى هذا النحو قمت معه بـ”تعظيم مشتركاتنا”،وهي أكثر بكثير من “مختلفاتنا”، وهي أولى بالعناية والرعاية والتعهّد لويعلم أبناء جلدتنا.

لقد وجدت الدكتور عبد الحسين شعبان منذ عرفت في مدن اللجوء الأوروبيةأوائل تسعينيات القرن الماضي، يفعل فعلاً ما يقول، فهو داعية ديمقراطيةوحقوق إنسان حقيقي، يمارس دعوته في سلوكياته تماماً كما نظّر لها فيكتبه ومقالاته. يدافع عن حقوق الشيوعيين والإسلاميين والليبراليينوالقوميين والبشر أجمعين، لا ترى في دفاعه ما يجعلك تشكّ في إخلاصه،كما يفعل كثيرون، ممن نراهم يكيلون الكيل بمكيالين، ويزنون الأمور بحسبالقرب الأيديولوجي والسياسي، أما تطبيقيّاً، فسيلاحظ كل منصف أن للرجلأصدقاء مع نشطاء وقيادات في جميع هذه التيارات، وهو أمر نادر ربّما،فالدكتور يملك صداقات عميقة وثابتة مع مكوّنات الطيف الفكري العربي،يستحقّ الإشادة والاقتداء، في تحدٍّ كبير لهذا الواقع العربي الخاضع كلّياًللانقسام والتشرذم والتناحر والصراع، فكيف وفّق الرجل بين تناقضاتالمشهد العربي في لوحته السوريالية التي هو بصدد رسمها منذ ما يزيدعلى نصف قرن، ذلك سرّ من أسرار طويّته المحبّة للخلق الباحثة عن بناءالجسور معهم بصدق، ولولا صدقه ما صدقوه أو صادقوه.

إن هذه الشخصية العراقية العربية ذات الأفق الإنساني الرحب، هي المفسّرأيضاً لهذا التعايش السلمي في ذاته، بين الرجل الذي ولد في الحضرة“النجفية” حيث يزور الناس من كل حدب وصوب أضرحة الأئمة من آل بيتالنبي العربي، ثم عاش في الغرب بقسميه الاشتراكي والليبرالي، بكل ماتعنيه هذه العيشة من تشبّع واضح بقيم العقلانية والحرّية والعدالةالاجتماعية، ثم رجع إلى الشرق من حيث أتى، أين نراه “شرقياً” بكل ماتعنيه “روحانية” الشرق من معنى، وذلك في اهتمامه صادقاً بمباحث“التصوّف” و”العرفان” و”التسامح بين الطوائف والأديان”،التسامح الذي يمارسه عمليّاً أيضاً، في سيرته اليومية، من خلال تواصلهالمحبّ مع أهل الكنائس والرهبان، وحرصه على نصارى أمته الذين وصفهمبـ”ملح الأرض”، بل كذلك على صابئتها المندائية ويزيديّيها وسريانييهاوعلوييها وسائر مكوّنات فسيفسائها البديعة، إذ يحرص الدكتور شعبان أشدّالحرص على التعريف بأصدقائه لدى أصدقائه وعموم النّاس، مديراً أجندتهالمتنوّعة في تشبّث استثنائي بالوحدة، وكأنّه يقول لتلاميذه، وأنا من بينهم،و”ماذا تعني الوحدة دون تنوّع؟” أيّها السالكون طريق الحبّ والمعرفة.

أما قوميّاً، فقد كان الدكتور عبد الحسين كما عرفته، من أحرص مفكّريالأمّة العربية على وحدتها، فقد كان وما يزال عضواً فاعلاً في كثير منالمؤسسات الوحدوية العربية، حرصه على المساهمة في تأسيس الجديدمنها، إيماناً منه بأن “التجديد” هو الذي ينهض بالأمم، وما من أمّة جدّدتنفسها إلّا وضمنت لها موقعاً في “لعبة الأمم”، لكن هذا الحرص لا يتناقضبرأي المفكر المجدد مع السعي الدؤوب إلى “التكامل الإقليمي”، فالعرببرأي الدكتور شعبان لا بديل لديهم عن تمتين علاقتهم مع شركائهمالأصليين -لا الدخلاء- من أبناء المنطقة الشرقية، وفي هذا السياق تتنزلدعوته النظرية والتطبيقية دائماً إلى “الحوار بين الأمم الأربع”، وعلى هذاالنحو اشتركنا معاً طيلة العقد الماضي في عقد جولات حوار بين مثقفي هذهالأمم، العربية والكردية والإيرانية والتركية، في تونس وأربيل وعمّانوبغداد وبيروت، وفي كل مدينة لا تمانع في إقامة حوار بهذا المضمون،وإن اختلفت عناوينه أحياناً، سواء كان حواراً ثنائيّاً أو حواراً جامعاً.

وتجدر الإشارة مجدّداً إلى أن صداقات الدكتور عبد الحسين وعلاقاتهالمتميزة مع مثقفي الأمم الأربع، كانت خير عون لنا في تنظيم هذه الحواراتواللقاءات، وخير مساعد على تجاوز العقبات والهنات والإشكالات التيعجزت عن تجسيرها دول وأنظمة وحكومات، فتعظيم المشتركات عند الدكتورعبد الحسين ليس مجرّد نظرية أو شعارات، بل هو تطبيقات عملية تجسّدتفي عشرات الندوات الجامعة والمؤتمرات الحوارية الناجحة في عواصم ومدنالإقليم المشرقي الواسع.

إن الكتابة عن صديق حميم ورفيق مخلص، ليست بالمهمّة السهلة، فأنتمطالب من جهة بأن تفي الرجل حقّه، ورجل كالدكتور شعبان يصعب أن تفيهحقّه في أسطر وجيزة مهما طالت، كما أنّك مطالب بالتزام الموضوعيةوالعقلانية في تناول السيرة الشخصية، لأننا كبشر لسنا معصومين عنالأخطاء، بل إن الأخطاء هي ما صنعتنا، ولهذا فقد اتبعت في كتابة هذهالشهادة سبيل الصدق، وأردتها شهادة تجمع بين اطلاعي على ما كتبههذا المفكّر المثابر طيلة عقود، وما عشته معه كصديق ورفيق يزعم أنه يعرفه،معرفة تجمع بين السيرتين الفكرية والسلوكية، وهما في واقع الأمر سيرةواحدة متطابقة، وهو يشكّل “فرادة” الشخصية “الشعبانية” أو“المدرسة الشعبانية” إن صحّت العبارة، مدرسة “تعظيم المشتركات” والربط بين الفكر المتجدد والممارسة المخلصة في إقامة الوصل بين الحريةوالعدالة، وبين العقلانية والعرفان.

 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours