عصر التطرّف التوليدي 

إيهاب عنان

 

حينما ظهرت نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي كنقطة تحوّل في التقنية العالمية، استقبل العالم هذا التطور بحماسة مشروعة لما يحمله من وعود بالنهوض في مجالات التعليم، الطب، والأمن السيبراني .. الخ . لكن، كما هي القاعدة الأزلية في كل تحول تقني عظيم، فإن الوجه الآخر لهذا التقدّم لم يتأخر في الظهور: إذ سرعان ما بدأت الجماعات الإرهابية والمتطرفة باستكشاف الذكاء الاصطناعي كأداة للتجنيد، التخطيط، والخداع. هذا ما حذّرت منه عدة تقارير دولية حديثة، أبرزها ما نقل عن صحيفة “الغارديان” البريطانية، وتقارير موثوقة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT)، حول استغلال هذه الجماعات للذكاء الاصطناعي في بث سمومها الفكرية بطريقة أكثر خطورة وذكاءً من أي وقت مضى.

التطور الأكثر إثارة للقلق لا يكمن في أن هذه الجماعات بدأت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، بل في الكيفية التي تتكيف بها مع قيوده وتوجهه لصالحها. فبحسب تقارير ICCT، باتت التنظيمات مثل “داعش” ذائعة الصيت و”القاعدة” خاملة الذكر ، تعتمد على نماذج توليد النصوص والصور والفيديوهات بلغات متعددة، بغرض تخصيص الرسائل لجماهير متنوعة، مما يضاعف من فرص الاستقطاب والتأثير الثقافي عبر الفضاء الرقمي.

ومن المثير أن بعض هذه الجماعات لم تكتف باستخدام الذكاء الاصطناعي بأسلوب تقليدي، بل طورت ما يشبه “أدلة إرشادية” لتجاوز القيود الأخلاقية والتقنية التي تفرضها الشركات المطورة لهذه النماذج. في إحدى الطرق المبتكرة، يتم تقديم مخططات وأوصاف وسيناريوهات للنموذج بدلاً من الأوامر الصريحة، بحيث لا يتم رصدها بسهولة من قبل أنظمة المراقبة الآلية، مما يفتح الباب أمام ما يمكن تسميته “الهندسة الاجتماعية الآلية”.

منذ عقود، كان تصوير مشهد إعدام إرهابي أو بيان صوتي رديء الجودة كافياً لتحريك جمهور متطرف. اليوم، يمكن لمجموعة صغيرة مجهولة، وبلا بنية تنظيمية معقدة، أن تنتج حملة دعائية رقمية عالية الجودة، بصور مزيفة أو فيديوهات توليدية تبدو حقيقية إلى درجة الإقناع الكامل. والمفارقة هنا أن الجمهور الرقمي — خاصة من فئة الشباب — أقل ميلاً للتشكيك في محتوى بصري متقن الصنع، وأكثر قابلية للتأثر العاطفي إذا ما قُدّم بلغة قريبة منهم وبشكل “آلي” يوحي بالحرفية والاحتراف.

ربما الأخطر من هذا كله، أن الذكاء الاصطناعي بات قادراً على محاكاة أنماط التفكير الثقافي والديني للمجتمعات المستهدفة، بما يسمح بإنتاج مواد تتحدث “بلسان” المجتمعات العربية والغربية في آنٍ واحد. لم يعد من الصعب أن تنشر جماعة متطرفة محتوى يخاطب المسلم الغربي بلغة دولته مصاغة على أساس مفرداته الدينية، أو تستهدف شاباً في احدى دول الشرق الأوسط بمقطع يستند إلى حالة الظلم والضياع، مصوراً الجماعة كملاذ وحيد للخلاص.

أكبر إنجاز إرهابي يتحقق عبر الذكاء الاصطناعي لا يتمثل في العمليات المسلحة، بل في تحويل التجنيد إلى عملية شبه مؤتمتة. عبر حسابات وهمية، ومحادثات مدعومة بذكاء اصطناعي، يمكن إجراء مئات المحادثات مع شباب عرب في لحظة واحدة، والتأثير عليهم نفسياً وفكرياً ببطء شديد ولكن بثبات. ليس المطلوب أن يقاتل المجند غداً، بل أن يبدأ رحلة القناعة بالفكرة، وهي المرحلة الأخطر في البناء الأيديولوجي.

ما يزيد من فداحة الأمر هو بطء التفاعل الأمني في بعض الدول العربية مع هذه التحولات. فعلى الرغم من أن بعض الدول بدأت خطوات سباقة في الرقابة التقنية المتقدمة، فإن العديد من الأنظمة الأمنية لا تزال تنظر إلى الإنترنت على أنه “منصة تواصل”، وليس “ساحة معركة هجينة” تتشابك فيها الخوارزميات مع العقيدة والسلاح.

نحتاج اليوم إلى إدماج وحدات متخصصة بالذكاء الاصطناعي ضمن أجهزة الاستخبارات العربية، قادرة على تحليل البيانات الضخمة، تعقب المحتوى التوليدي المشبوه، وبناء نماذج عكسية لفهم كيف يتم تصميم المحتوى المتطرف. كما يجب توسيع الشراكات مع شركات التقنية العالمية لتطوير أدوات أكثر ذكاءً لمكافحة هذا النوع من الاستخدامات الخطرة.

ما نواجهه اليوم ليس جماعات تختبئ في الكهوف، بل شبكات تبرمج، تتكلم جميع اللغات، وتلبس ألف قناع. الذكاء الاصطناعي لم يعد “مجرد أداة”، بل أصبح بيئة مستقلة تنتج فكراً وسلوكاً، ما يستدعي أن نعيد النظر في أمننا القومي من منظور رقمي شامل ونُفعل مبدأ .. الذكاء الاصطناعي المسؤول .

إن لم نتحرك اليوم، فقد نجد أنفسنا بعد سنوات أمام جيل رقمي تم تجنيده، تعليمه، وتسليحه – لا بالبنادق، بل بالخوارزميات.

———-
مدير التحرير
شاعر , كاتب ومختص في الذكاء الاصطناعي 

You May Also Like

More From Author

+ There are no comments

Add yours