وكالمعتاد في صبيحة كل يوم أبدأ نهاري بطقوس لم تتغير تفاصيلها، أفتتح نهاري بصوتها، صوت فيروز مع قهوة الصباح هو صديقاً، أنيساً، وكأنه رشة ماء بارد على وجهي. ولطالما زاحمني سؤال في نفسي، ونحن نصحو من نومنا على صوتها: بماذا تفتتح فيروز صباحاتها؟ أَتبدأ مثلنا بالاستماع لصوتها؟ هل ستختار أغانيها من قديم ماضيها، أم أنها تفضل جديدها؟
أم أنها ستحتار مثلي في اختياراتها، فلشدّ ما يصعب الاختيار مع السلسلة الفيروزية الطويلة، لكن الأقرب إلى مزاجي اليوم مجموعة أغاني/ ألبوم فيه أمل، فلها طعم مغاير يشبه مزاجي لهذا الصباح، وشخصية لحنية محببة تشبه فيروز ولكنها فيروز أخرى، إنها فيروز مع زياد، فيروز مختلفة، فيها يظهر تمرد زياد الرحباني على مألوف خط الرحابنة، بإشتراع نهجه الخاص بنكهته المتميزة، النكهة الساخرة التهكمية المليئة بالأسئلة، وموسيقاه التي خرجت من حضن الرحابنة لكنها شقت طريقاً منفرداً ومتميزاً لها.
لم تبرد قهوتي في فنجانها بعد، فرحت أتصفح بريدي، كان ذلك في صباح عطلة يوم السبت المصادف أواخر شهر تموز في 26 منه من عامنا الحالي المليء بالخطوب، عام 2025، عندما برز لعيني عنوان صادم يعتلي صورة زياد الرحباني مكتوب فوقها بالخط العريض: وفاة زياد الرحباني!
قلت في نفسي: يا لها من مزحة سخيفة وسمجة رغم أننا لسنا في شهر أبريل!
كان صوت فيروز، وقد عبر أغنية فيه أمل، منطلقاً يغني متسائلاً:
كيفك إنتَ.. ملا إنتَ؟
الأغنية التي لحنها لها ابنها زياد وبقيت تفكر فيها مترددة منها مدة ثلاث سنوات قبل أن تقرر إطلاقها، لخشيتها مما كان يعنيه تحولها من مرحلة ألحان الرحابنة التي اعتادها جمهورها، إلى عالم ألحان المتمرد زياد. وخلافاً لكل مخاوفها، أحدثت الأغنية صدى مدوياً وقبولاً شعبياً هائلاً لحظة بثها من الإذاعة اللبنانية، تبخرت بعدها رهبة فيروز من تجربتها، فهذه أغنية انطلقت لتبقى حيّة.
المزحة السمجة استمرت، لم يكذبها أي مصدر آخر، بل إنها جاءت في منشور لاحق، ثم آخر غيره، وكنت متشبثة في عمق نفسي بفكرة أنها إشاعة روج لها مرتادو الإنترنت، أو من تفاهات متصيّدي علامات الإعجاب بأخبارهم الكاذبة.
سأنتظر… حتى أتحقق.
رغم أنني كنت أعرف أن الرحباني الابن متغيب عن العمل منذ شهور، حتى إنه، وعلى غير عادته، لم يخرج لنا بعمل يؤرّخ لمرحلة حرجة مرت بها بلداننا، كانت فيها طائرات العدو تغتال لبنان وغزة بشراً وأرضاً، وفي عمق نفسي كنت أجد له العذر، ففداحة الألم أكبر مما يمكن أن يقال فيه. كما أنه مريض يعاني منذ سنوات مضت من تضخم كبده، المتخم بخيباته النفسية والعاطفية والسياسية، تتضاعف المرارة في كبده ليزداد تورماً يوماً بعد يوم. وأشيع عنه أنه كان متردداً في إتمام علاجه بإجراء عملية ملحّة يحتاجها، لأنه لم يكن يمتلك ثمن علاجه، وما كان قادراً تحت أي ظرف إحراج أصحابه بالاستدانة منهم، ولا إحراج نفسه بطلب مال للعلاج!
أية مفارقة غبية هذه!
كيف يمكن أن يكون عملاقاً إبداعياً مثله: مؤلف موسيقي له مئات الألحان المخلدة، مؤلف مسرحي لمسرحيات ما زالت تبرق كعلامات مضيئة وفارقة في المسرح اللبناني، مؤلف غنائي متميز بجمل لحنية فريدة لا يمكن أن تُخطئ هويتها قط، كاتب أغانٍ متميز، ولعلكم لا تعرفون أنه كان قد ألّف ديواناً شعرياً وهو في عمر الحادية عشرة أو نحوها، ديواناً أسماه “صديقي الله”، لفت منذ ذلك الوقت إلى موهبته الشعرية المغايرة بأفكارها وأسئلتها، كما لبراعة سخريته من كل ما هو سائد، موزّع موسيقي متألق، عازف بيانو، عازف على آلات موسيقية أخرى، مؤدٍّ لأغنياته، ممثل موهوب برع في رسم شخصياته التي يؤديها، فيرسم بها على وجوهنا بسمة مريرة في سخريتها من واقعنا المتردي، إذاعي متميز له برامجه الخاصة التي عبّر فيها عن مواقفه السياسية الخاصة التي لا يشبه فيها غيره، ولا يجاري فيها إلا أفكاره الخاصة، هذا الكائن الإبداعي لا يملك في الحقيقة ثمن علاجه!
كان في عمر السادسة عشرة عندما أجبر دموع والدته على التهاطل على وجنتيها، وهي على خشبة المسرح تغني من ألحانه وكلمات عمه منصور الرحباني أغنيتها الشهيرة:
“سألوني الناس عنك يا حبيبي.. كتبوا المكاتيب وأخذها الهوا.. بيعزّ عليّ غني يا حبيبي لأول مرة وما منكون سوا..”
وكان عاصي الرحباني، والده، على فراش مرضه الوداعي، راقداً في المستشفى يصارع الحياة للبقاء، بعيداً عن محبوبته التي لم يفارقها يوماً، وكانت غيرته من شدة حبه لها تعذبه حتى وهو على فراش المرض. أظهرت هذه الأغنية أسلوب زياد الخاص وهويته الموسيقية المغايرة، وليست المستنسخة عن إرث الرحابنة الضخم، رغم أنها بنفس الوقت كانت امتداداً فذّاً لها.
هل تذكرون مقدمة مسرحية ميس الريم؟ تلك المقدمة الرائعة والتي لها خفة الفراشة، تشعرك عند سماعها بأنه يمكنك أن تطير أو تطفو على أنغامها ومعها. قدم فيها زياد إيقاعاً مختلفاً تميز به أسلوبه المختلف عن نمط الرحابنة المثالي، أو كما يصفه البعض بالخيالي.. تلك المقدمة تعزف نفسها الآن حيّة وحيوية في مخيلتي!
لماذا يشيعون عنه كذبة موته؟ هذا الزياد الذي لم ينافسه أحد في أسلوبه، ولم يبلغ مكانته الفنية الإبداعية سواه.. لماذا يقلقون والدته ومحبيه؟
في داخلي كان هناك رفض كبير ونفي وعدم تصديق لخبرية موته. كيف يمكن له أن يموت الآن؟ فما زالت في جعبته تتراقص نغمات ألحان كثيرة لم تُعزف بعد، وفي مخيلته الساخرة والزاخرة بالصور الكثير من الحكايا التي سيرويها على خشبة المسرح، ولطالما صرّح أنه لا يحبه، لكنه رغم ذلك برع فيه وقدّم على خشبته ثماني مسرحيات، أو شارك فيها، وكلها دون استثناء تُعد علامات متميزة وجريئة وذات رؤى استشرافية ذكية في النقد الاجتماعي والسياسي، عالج فيها النفاق الاجتماعي والسياسي وأسباب الحروب الطائفية التي مزقت بهمجيّتها لبنان.
هو من قال ذات يوم:
“آه لو كان للكلام ثمن وكالخبز يُشترى!”
حقاً.. فلو كنا ندفع ثمناً مقابل كل ما يقال، لتخلصنا من كثير من الهراء السائد اليوم.
لكن الخبر لم يُكذّبه أحد!!
خبر موت زياد ليس إشاعة، ولا مزحة ثقيلة من ملفّقي الأخبار، وإنما حقيقة مؤذية، لعلها سخرية قدرية موجعة!
فمقعده أمام البيانو بارد، وهو لم يعد موجوداً ليكتب فوق خشبه الصقيل أو يصحح عليه نوتته القادمة.. وأكاد أجزم أن أحداً بمثل عبقريته لن يشغله لعقود وعقود قادمة. أتخيّل أنه ترك طاقيّته معلقة فوق سريره تفتقد رأسه، وسيجارته الأخيرة مطفأة وبرماد بارد!
إنه ميت.. زياد صدّق كذبة موته.. ومات!!
أحسب أن السيدة فيروز مثلي لن تصدق حقيقة رحيله، وستحيا المتبقي من عمرها وهي تستقبل صباحها في حزنها التسعيني عليه، وقد راضاه قلبها مؤخراً بعد زعل ذات نزق من تصريحات ندم عليها، فكتب يقول، وكأنه يتنبأ لنفسه قبل غيره:
“أن لحظة العمر الأخيرة قد تنزل علينا وتأخذنا ونحن نتخاصم!”
أحسب أنها، مثلي، حتى وإن شيّعته بنفسها إلى مرقده الأخير، لن تصدّق في عمق روحها حقيقة موته، وستحيا مثل أي أم، لما تبقى بعدها من عمرها، لتنسج في وهم وعيها أنه ما زال في فراشه نائماً، فتناديه لينهض من رقدته قائلة:
“شو بعدك نايم يا ابني؟ قوم يا زياد.. يلا يا أمي قوم طلع الضو!!”
هذا ليس رثاءً في زياد الرحباني، فهو حيّ في مخلفاته وآثاره التي ستحيا بعده طويلاً دون نسيان، بل رثاء للفن والمبدعين، فعالمنا في غيابهم يزداد فقراً وقتامة، فكل يوم نفقد قامة دون تعويضها.. فهل ترانا سنجد في جعبة مجتمعاتنا ثمناً كافياً لعلاج فقرنا وتعاظم حجم الفراغ؟
+ There are no comments
Add yours